11 فبراير، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

د. هبة عبدالعظيم تكتب: الدراما المصرية في زمن الذكاء الاصطناعي بين التجديد وحفظ الهوية

تُعَدّ الدراما المصرية ركنًا أساسيًا من الثقافة العربية، إذ شكّلت على مدار عقود طويلة وجدان المشاهد العربي من خلال أعمال درامية عالجت قضايا المجتمع وأسهمت في صناعة وعي جمعي. واليوم، ومع دخول العالم عصر الذكاء الاصطناعي، تجد هذه الصناعة نفسها أمام مفترق طرق جديد: فهل سيكون الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإبداع، أم تهديدًا للهوية والخصوصية التي ميّزت الدراما المصرية لعقود؟

فرص واعدة للتطوير

يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة أمام صناع الدراما. فمن خلال قدرته على تحليل البيانات الضخمة وسلوك المشاهدين، يمكن توقع نوعية الأعمال الأكثر رواجًا، مما يساعد شركات الإنتاج على وضع خطط أكثر دقة لتلبية رغبات الجمهور وتقليل المخاطرة التجارية. كما بات بالإمكان الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابة المسودات الأولى للسيناريوهات، أو اقتراح خطوط درامية بديلة تساعد المؤلف على تطوير عمله بمرونة أكبر.

وفي جانب الصورة، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي طفرة في المؤثرات البصرية والمشاهد التاريخية أو الخيالية، دون الحاجة لميزانيات ضخمة أو مواقع تصوير معقدة. فلو نظرنا إلى تجارب عالمية، نجد أن شركة ديزني اعتمدت على أدوات الذكاء الاصطناعي في ترميم مشاهد بعض أعمالها الكلاسيكية، بينما لجأت مسلسلات شهيرة مثل The Mandalorian إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لإحياء شخصية الممثل الشاب مارك هاميل رقميًا. كذلك، استخدمت بعض شركات الإنتاج الكورية واليابانية تقنيات “الممثل الرقمي” (Digital Actor) لتقليل الاعتماد على التصوير المباشر وتقديم شخصيات خيالية شديدة الواقعية.

التجربة العربية وموقع الدراما المصرية

عربيًا، لا تزال التجارب محدودة، لكنها بدأت تترك بصمتها. فقد شهدت بعض المسلسلات الخليجية والمصرية استخدامًا متزايدًا للجرافيك والـ CGI، خاصة في الأعمال التاريخية والخيالية، وهو ما يشير إلى إمكانية التوسع في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة. وتملك الدراما المصرية ميزة إضافية كونها الأكثر انتشارًا عربيًا، ما يجعلها مؤهلة للاستفادة من هذه الأدوات لتقديم محتوى قادر على المنافسة عالميًا، بشرط الحفاظ على جوهرها الإنساني والاجتماعي.

التحديات والمخاوف

رغم كل هذه الفرص، يظل هناك قلق مشروع من آثار الذكاء الاصطناعي على الدراما. فالعمل الدرامي ليس مجرد مؤثرات أو أحداث، بل هو انعكاس لوجدان المجتمع وتجسيد لمشاعره. هنا تظهر خشية من أن يؤدي الإفراط في الاعتماد على الخوارزميات إلى فقدان الطابع الإنساني، وتحويل الدراما إلى منتج تقني بلا روح.

كما أن مسألة الملكية الفكرية تطرح تحديًا كبيرًا، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد نصوصًا أو مشاهد قريبة من أعمال سابقة، مما يثير إشكاليات قانونية وأخلاقية. هذا إلى جانب ظاهرة الوجوه المزيفة العميقة (Deepfake)، التي يمكن أن تُستخدم لتوليد أداء رقمي لممثلين حقيقيين دون موافقتهم، وهو ما يهدد قيمة الأداء التمثيلي ويثير أسئلة عن مستقبل المواهب الجديدة.

مستقبل الدراما المصرية: شراكة لا منافسة

الواقع يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور المبدع، لكنه سيغير من طبيعة العملية الإبداعية. فالمؤلف سيظل بحاجة إلى حسه الإنساني وخبرته في قراءة المجتمع، والممثل لا يمكن استبداله بوجه رقمي مهما بلغت دقة التقنية. ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة مساعدة تعزز من جودة الإنتاج، وتخفض التكاليف، وتسرّع الإنجاز.

إن مستقبل الدراما المصرية مرهون بقدرة صناعها على استيعاب هذه الثورة التكنولوجية وتوظيفها بذكاء، بحيث تكون أداة للإثراء لا للاستبدال. فالأصالة التي حملتها الدراما المصرية عبر أجيال يجب أن تبقى حاضرة، حتى وهي تنفتح على تقنيات المستقبل. بهذه الصيغة وحدها يمكن للدراما المصرية أن تحافظ على مكانتها الإقليمية، بل وتنافس عالميًا في زمن تحكمه الخوارزميات.

About The Author