11 فبراير، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

محمد رأفت فرج يكتب: الانتخابات.. بين مسؤولية الدولة وصحوة الضمير الشعبي

تأتي الانتخابات في كل دورة لتكشف مدى وعي الشعوب ونضجها السياسي، فهي ليست مجرد صناديق اقتراع تُملأ بالأوراق، بل مرآة صادقة تعكس علاقة الشعب بمن يحكمه، وتفضح ما يُخفى خلف الأقنعة من نيات ومصالح. لكنها – في كثير من الأحيان – لا تُبقي على وهجها طويلًا؛ إذ تتحول إلى موسم للوعود البراقة والابتسامات المصطنعة، قبل أن تتبدد الأحلام مع أول أيام الجلوس على الكرسي.
في لحظات كهذه، تستحضر الذاكرة مشهدًا خالدًا من فيلم «طيور الظلام» للكاتب الكبير وحيد حامد، الذي جسّد ببراعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والمصلحة. يظهر رشدي الخيام، رمز الانتهازية السياسية، وقد غرق في نشوة زائفة وهو يظن نفسه راعيًا للبلد، بينما يهتف له فتحي نوفل — المحامي الوصولي الذي لا يرى في أحد سوى سلّمٍ يصعد عليه — صارخًا بسخرية: «رشدي الخيام.. راعي المبلولين وراعي الجربانين!»

مشهد يتجاوز حدود السينما إلى عمق الواقع، إذ يكشف كيف يمكن للمرشح أن يتحول من متقربٍ إلى الناس إلى متنمّرٍ عليهم، ينظر إليهم من علٍ بعد أن صنعوا مجده المؤقت. ويكشف أيضًا عن أولئك الذين يلتفون حوله — على شاكلة فتحي نوفل — يصفقون له ما دام في الصعود، ثم يتسابقون إلى حصاد المنافع بعد فوزه، لا إيمانًا بقدراته، بل انتفاعًا بسلطته. إنهم شركاء في صناعة الوهم، يؤدّون أدوارهم بإتقان على مسرح السياسة، حتى يظن المشاهد أن البطولة جماعية، بينما هي في حقيقتها مأساة جماعية.

هؤلاء وأمثالهم هم من يُفسدون معنى التمثيل النيابي، حين يتحول العمل العام إلى غنيمة، والنائب إلى وسيلة، والمواطن إلى مشهد عابر في خطاب انتخابي منمّق، وهكذا تتكرر المأساة: يُصفّق الناس اليوم لمن سيغلق بابه في وجوههم غدًا، لأن الوعي غاب، ولأن أصواتهم لم تُمنح عن إدراك، بل عن عاطفة أو مصلحة.

لكن لا يمكن للّوم أن يقع على طرف واحد؛ فبعض الناخبين أيضًا ينسحبون من المشهد، مكتفين بالشكوى أو اللامبالاة، كأنما الانتخابات شأن لا يعنيهم. تلك السلبية تمنح الفاسد قوة، وتمنح الضعيف مبررًا للبقاء، فيغيب التوازن بين الشعب وممثليه، وتضيع الحقيقة وسط ضجيج الشعارات.

في حقيقة الأمر لم يكن هذا هو عنوان المقال ولكن كان المقال بعنوان “الانتخابات.. بين وعي الشعوب ومصالح المنتفعين” ، وبعد الانتهاء من المقال وقبل نشره بدقائق كتب الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية بيانًا عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” ليكون من الواجب مهنيًا واخلاقيا أن نقوم بتغيير عنوان المقال “الانتخابات.. بين مسؤولية الدولة وصحوة الضمير الشعبي”، حيث كان المشهد ضبابيًا.

وفي قلب هذا المشهد المليء بالضباب، جاء بيان رئيس الجمهورية ليضع النقاط فوق الحروف، مؤكدًا احترام الدولة لإرادة الناخبين وحرصها على أن تأتي النتائج معبرة تعبيرًا صادقًا عن ضمير الناس لا عن نفوذ الأفراد، فالبيان شدد على استقلال الهيئة الوطنية للانتخابات، ودعاها إلى التدقيق التام في كل ما حدث في بعض الدوائر، وعدم التردد في اتخاذ القرار الصحيح، سواء بإلغاء جزئي أو كامل حين تتعذر معرفة الإرادة الحقيقية للناخبين، وهذه الرسالة تعكس مسؤولية الدولة في حماية المسار الديمقراطي، وتؤكد أن الشرعية لا تُصنع خلف الأبواب المغلقة، بل أمام أعين المواطنين وبإجراءات شفافة لا لبس فيها.

كما حمل البيان إشادة واضحة بقيمة النزاهة الانتخابية، حين طالب الهيئة بإعلان نتائج فحص المخالفات الدعائية، في خطوة تعزز الرقابة وتمنع تجاوزات من شأنها تشويه العملية الانتخابية، هذه اللغة الحاسمة أعادت إلى المشهد قدرًا من الطمأنينة، وأكدت أن الدولة لا تقف موقف المتفرج، بل موقف الحريص على أن يبقى صوت المواطن هو البوصلة الوحيدة التي تحدد اتجاه المستقبل، بعيدًا عن ضجيج المنتفعين ومغامرات العابثين.

إنّ الانتخابات، في جوهرها، ليست معركة صناديق، بل معركة وعي، فحين يعي المواطن أن صوته أمانة، ويتأكد المرشح أن الشعب قادر على المحاسبة، تستقيم المعادلة وتستعيد الديمقراطية معناها النبيل.

وفي النهاية، تبقى الانتخابات اختبارًا للضمير الجمعي: هل نصوّت بالعقل أم بالعاطفة؟ بالوعي أم بالمصلحة؟
فالأمم لا تنهض بمن يجلسون على الكراسي، بل بمن يعرفون كيف يختارون، وكيف يحاسبون، ومتى يقولون “لا” في وجه من يظن نفسه راعيًا للجميع بينما هو في الحقيقة راعٍ لمصالحه ومن التفّوا حوله.

About The Author