في لحظة امتزج فيها الحزن بالخشوع، قدّم الشيخ محمود الخشت نموذجًا نادرًا لمعنى الوفاء الصادق، حين نعى منسق أعماله الراحل الحاج محمد علي الصاوي، الذي وافته المنية منذ أيام، لا بخطابٍ عابر ولا بعباراتٍ تقليدية، بل بتلاوةٍ قرآنية خاشعة في فجرٍ أخير على أثير الإذاعة المصرية، ختمها بآياتٍ تهزّ القلوب من خواتيم سورة الفجر: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾.
لم يكن ذلك الاختيار مصادفة، فالمقام مقام وداع، والقرآن هو أصدق لغة حين تعجز الكلمات. لقد أدرك الشيخ محمود الخشت أن الوفاء ليس استعراضًا ولا موقفًا عابرًا، بل فعلٌ صادق يُتَّخذ في أوقات الفقد، وأن النعي الحقيقي هو أن تُهدي للراحل ما أحب، وأن ترفعه بالدعاء والذكر، لا بمجرد كلمات الثناء. وهكذا تحوّلت تلاوة الفجر إلى رسالة إنسانية عميقة، تذكّر بأن العمل الصامت والإخلاص الخفي لا يضيعان عند الله.
الحاج محمد علي الصاوي لم يكن مجرد منسق أعمال، بل كان رفيق رحلة وشاهدًا على سنواتٍ من الجهد والعطاء خلف الكواليس. وقد جاء هذا الوداع القرآني اعترافًا بقيمة الإنسان قبل المنصب، وبأثر الإخلاص الذي قد لا يراه الجمهور، لكنه يصنع النجاح ويمنحه الاستمرار. حين اختار الشيخ الخشت أن ينعاه بتلاوةٍ تمسّ معنى السكينة والرضا، فقد قدّم شهادة تقدير صادقة لا تحتاج إلى توقيع أو منصة.

في تلك الدقائق الفجرية، بدا الصوت حاملًا لمعانٍ تتجاوز الحروف؛ طمأنينةٌ تُهدى لروح الراحل، وعزاءٌ للأحياء، وتذكيرٌ بأن النهاية ليست انقطاعًا، بل انتقالٌ إلى رحمة الله. كانت الآيات وكأنها تخاطب روح الصاوي، وتواسي أسرته ومحبيه، وتفتح نافذة أمل لكل من استمع إليها، بأن رحمة الله أوسع، وأن الوفاء الصادق يخلّد صاحبه في القلوب.
لقد أعاد هذا المشهد تعريف النعي في الوعي العام؛ من مجرد إعلان خبر إلى فعل وفاء، ومن مجاملة اجتماعية إلى عبادةٍ صادقة. فالشيخ محمود الخشت، وهو يقرأ فى أول فجر لا يصاحبه فيه رفيقه، لم يودّع شخصًا فحسب، بل رسّخ قيمةً إنسانية نفتقدها في زمن السرعة: أن نتذكر من خدموا بإخلاص، وأن نُكرمهم بما يليق بهم، وبما يرضي الله.
وهكذا ظلّ صدى ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ يتردّد في القلوب، شاهدًا على أن الوفاء حين يقترن بالإيمان، يتحوّل إلى نورٍ لا يخبو، وإلى ذكرى طيبة باقية، كما يبقى القرآن عزاءً وسلوى، ودليلًا على أن أجمل الوداع ما كان صدقًا وخشوعًا.

المزيد من القصص
الدكتورة هدى درويش أيقونة التسامح والحوار بين الأديان في ذمة الله
محمد رأفت فرج يكتب : الشيخ الحصري .. والشيخ علي جمعة
محمد رأفت فرج يكتب: همسة مُحب في أذن العلّامة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف