لم تكن الصورة التي جرى تداولها عن باسوس في الأيام الماضية منصفةً لتاريخ قريةٍ عريقةٍ ضاربة الجذور في عمق الدلتا المصرية، فقد تصدّرت المشهد بصورة سلبية على خلفية أحداث مؤسفة وقعت في أول أيام شهر رمضان، إثر إصابة طفل ووالده، وهي واقعة تتولاها جهات التحقيق المختصة، ولا مجال للخوض في تفاصيلها أو استباق نتائجها، غير أن ما أحزن أبناء باسوس لم يكن الحدث وحده، بل تلك الصورة المختزلة التي جرى تعميمها، وكأن قرية بأكملها يمكن أن تُعرَّف بلحظة توتر عابرة، أو يُمحى تاريخها الطويل بسبب مشهد مجتزأ على منصات التواصل الاجتماعي.
باسوس، التابعة لمركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، ليست اسمًا طارئًا على الخريطة، بل هي واحدة من القرى التي كان لها حضورها التاريخي والاجتماعي منذ عقود طويلة، وتروي المصادر المتداولة أن من وقفها قديمًا كان يخرج نصيب في نفقة كسوة الكعبة المشرفة، وهو شرف لم يكن ليُمنح إلا لبلاد عُرفت بالخير والعطاء، ومع تعاقب السنين، لم تنطفئ جذوة المكان، بل ظل حاضرًا بروحه المتدينة واهتمامه بالعلم، حتى غدت باسوس في محيطها تُعرف بأنها بلد القرآن وبلد العلماء، قبل أن تضيف إلى ذلك سمعة طيبة في مجالات الصناعة والعمل الحر.
في شوارعها البسيطة، وبين بيوتها المتلاصقة التي تحفظ دفء العلاقات، نشأت أجيال تربّت على احترام العلم وتقدير أهله، خرج منها المرحوم الدكتور أبو سريع عبد الهادي، أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة الفيوم، كما خرج منها الدكتور عبدالحميد مدكور، الأمين العام لمجمع اللغة العربية والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العربية، ومن أبنائها أيضًا الدكتور إبراهيم بدوي، الاستاذ بجامعة حلوان، إلى جانب المرحوم الدكتور صابر مهدي الأستاذ بجامعة الأزهر، والدكتور محمد عبد الحكم مهدي أستاذ الطاقة الذرية، والدكتور يحيى هيكل أستاذ الهندسة الزراعية بجامعة عين شمس، والدكتورة إيمان السيد أبو السعود الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة عين شمس، والدكتور محمد حسن عوض المعيد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، والدكتورة آية أحمد محمود المدرس المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر. هذه النماذج تمثل وجوهًا مشرفة لقرية احتضنت العلم، وربّت أبناءها على التفوق والاجتهاد، حتى صاروا سفراء لبلدتهم في الجامعات والمؤسسات العلمية.
ولم يقتصر عطاؤها على الجامعات، بل امتد إلى ميادين الإعلام والثقافة، فهي بلد الكاتب الصحفي عبد العزيز جاد، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط سابقًا، وبلد الأستاذ إبراهيم مجاهد، رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق، كما تضم بين أبنائها عددًا من الصحفيين أعضاء الجمعية العمومية بنقابة الصحفيين، منهم محمد ياسين مدكور، وكريم أبو حسين، وأشرف بيومي، ومن رموزها الإعلامية كذلك الأستاذ محمود عبد الله فرج الحيسي، نائب رئيس قطاع الإنتاج بالهيئة الوطنية للإعلام، والإذاعي فرج إبراهيم مجاهد، كبير معدي إذاعة القاهرة الكبرى، بما يعكس حضورًا مؤثرًا لأبناء باسوس في المشهد الإعلامي الوطني، وفي مجال التعليم والإدارة خرج منها الراحل الأستاذ محمود أبو سليمان، وكيل وزارة التربية والتعليم سابقًا، والأستاذ رأفت فرج الحيسي، وكيل وزارة التربية والتعليم سابقًا، بما يؤكد عمق إسهامها في خدمة مؤسسات الدولة.
أما علاقتها بالقرآن الكريم فليست لقبًا يُتداول، بل واقع تجسده أصوات قرائها ومبتهليها الذين عُرفت بهم في الإذاعة والمساجد، مثل الشيخ عبد الحميد الباسوسي، والشيخ سيد عبد الشافي هلال، والمبتهل الإذاعي الشيخ محمد علي جابين. ومن أبنائها كذلك الشيخ مصطفى عبدالفتاح موجّه القرآن والقراءات بالأزهر الشريف، والشيخ محمد عماد الخولي عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، والشيخ أحمد سعيد مبعوث وزارة الأوقاف لإمامة المصلين في ألمانيا خلال شهر رمضان، وكذلك الاستاذ محمد وحيد بر رئيس الغرفة التجارية بجنوب سيناء.
وهي نماذج تؤكد أن القرية التي أنجبتهم لا يمكن أن تكون عنوانًا للفوضى أو الشغب.
وهذه الأسماء والنماذج إنما هي على سبيل المثال لا الحصر، فلو أردنا أن نكتب لوحة شرف كاملة لأبناء باسوس لاحتجنا إلى مجلدات، ففيها من الضباط من يخدمون وطنهم في صفوف القوات المسلحة والشرطة، وفيها من يعملون في سلك القضاء ممن لم نذكر أسماءهم لطبيعة عملهم ومقتضيات مواقعهم، فضلًا عن أبناءٍ كُثر في مختلف التخصصات والمهن يسهمون بصمت في بناء وطنهم ورفعته.
إن المجتمعات لا تُقاس بلحظات استثنائية، ولا تُحاكم بأحداث فردية، بل بتاريخها الممتد وإسهامات أبنائها في خدمة وطنهم. وباسوس، كغيرها من القرى المصرية الأصيلة، قد تمر بظروف عابرة، لكنها تظل أكبر من أي صورة نمطية، وأعمق من أي منشور سريع الانتشار، إنها قرية صنعت مجدها بصبر أبنائها واجتهادهم، وكتبت اسمها في سجلات العلم والعمل، وتستحق أن تُرى في صورتها الكاملة، لا في لقطة عابرة.
هذه هي باسوس إن كنتم لا تعلمون؛ قريةٌ من قرى مصر التي تحفظ في ذاكرتها صفحات من العطاء، وتُخرج في حاضرها رجالاً ونساءً يصنعون الفارق في مجالاتهم، ويؤكدون أن الانتماء الحقيقي يُقاس بالفعل والعمل، لا بما يُقال على الشاشات، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي.

المزيد من القصص
مركز المناخ يحذر من انخفاض حراري نادر يقترب من 6 درجات دون المعدلات الطبيعية
انطلاق منافسات فردي الناشئين بكأس العالم لسيف المبارزة في القاهرة
محافظ القاهرة: استخدام “درون” لإخماد حريق منطقة الزرايب لأول مرة