11 فبراير، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

محمد رأفت فرج يكتب: همسة مُحب في أذن العلّامة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف

شهدت وزارة الأوقاف في عهدكم – ولا يزال – طفرة واضحة في منهج الدعوة، وبصمة إصلاحية لا يمكن إنكارها، حيث أصبحت خطب الجمعة أكثر التصاقًا بقضايا الواقع، وأعمق معالجة لهموم الناس، وأكثر رقيًّا في لغتها ومضامينها، فقد لمس المصلّون تطورًا ملحوظًا في موضوعات الخطب التي باتت تناقش مشكلات المجتمع بوعي علمي، وتستند إلى تراث الأمة بروح العصر، كما شهدت المساجد نشاطًا واسعًا في تفعيل مجالس الذكر، وإحياء كتاتيب التحفيظ، وإعادة الهيبة للمنابر، وكذلك سعيكم الدائم لتحسين أحوال الأئمة والخطباء، وكذلك برنامج دولة التلاوة الذي انطلق مؤخرًا وهذا جهد يحسب لكم، وللفريق الذي يعمل معكم، وللعلماء الذين حملوا هذا التكليف بأمانة وإخلاص.

ولا يخفى أنكم – قبل أن تتولوا الوزارة – كنتم ولا زلتم تحظون بقبول شعبي واسع، فقد عرفكم الناس عالمًا جليلًا، رقيق الطباع، قريبًا من القلوب، يحمل خطابًا راقيًا يلامس الوجدان والعقل معًا، وقد أحبّكم الناس في مختلف الأوساط الاجتماعية، لما لمسوه فيكم من اعتدال وعلم وأدب، وهو ما سهّل تقبلهم للإصلاحات التي شهدتها الدعوة في عهدكم.

لكن ومع هذا التقدم الكبير، تبقى همسة صادقة، نضعها في أذنكم بوصفكم عالمًا قبل أن تكون مسؤولًا، ورائدًا في تجديد الخطاب الديني قبل أن تكون على رأس الوزارة.

هذه الهمسة تتعلق بوقت خطبة الجمعة الذي بات محصورًا بين 15 و20 دقيقة في أغلب التوجيهات العملية، وبات الخطباء يواجهون تنبيهًا ولومًا – وربما لفت نظر رسمي – واحيانًا خصم مكافأة الجمعة بجمعتين، وربما إلغاء التصريح، إن تجاوزوا هذا الإطار الزمني ولو بعشر دقائق إضافية في قضية تمس حياة الناس وسلوكهم وقيمهم!

إن خطيب الجمعة، حين يكون من أساتذة جامعة الأزهر، أو من حملة الماجستير والدكتوراه، أو من أصحاب الملكة العلمية والقدرة على البيان، لا ينبغي – منطقًا أو شرعًا أو وعيًا إداريًا – أن يُقصَر عطاؤه على دقائق معدودة، لا تكفي أحيانًا لعرض المشكلة فضلًا عن تحليلها أو تقديم حلولها، فهؤلاء العلماء الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في التحصيل والبحث والتدقيق، ما جدوى علمهم إن لم يصل إلى الناس من فوق المنابر؟ وكيف يستفيد المجتمع من طاقاتهم الفكرية إذا كانت خطبهم محكومة بإطار زمني ضيق لا يناسب مقام العلم ولا طبيعة القضايا المعاصرة؟

ثم إن خطبة الجمعة هي التجمع الوحيد الذي يضم هذا العدد الضخم من الناس في آن واحد، مهما اختلفت مستوياتهم العلمية والفكرية والاجتماعية، وهذا التجمع لا يتكرر في أي مناسبة أخرى بهذا الانتظام والانتشار، لذلك كان تاريخ الأمة كله ينظر إلى منبر الجمعة بوصفه منصة للتنوير والإصلاح والتقويم، ومجالًا لبث القيم الكبرى، وترسيخ الأخلاق، ومناقشة هموم المجتمع، وإرشاد الناس إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.

فإذا ضاق وقت الخطبة، ضاق معه مجال الإصلاح، وإذا خُنِق نفس الخطيب المتمكن، خُنِق معه أثره في الناس، ومن المؤسف – حقًا – أن يُطالَب الخطيب الجامعي، العالم، المتخصص، بأن يختصر فكره في دقائق معدودة، بينما تحتاج بعض الموضوعات إلى شرح الأدلة، وتفنيد الشبهات، وبيان المفاهيم المغلوطة التي أصبحت تملأ فضاء العقول.

إن الوزارة – في عهدكم – قطعت شوطًا كبيرًا في تصحيح المفاهيم، وتجديد الخطاب الديني، وتثبيت الانضباط داخل المساجد، وهو نجاح يُقدّر ويُشكَر، لكن هذا النجاح نفسه يستدعي خطوة مكمّلة، هي إعادة النظر في فلسفة وقت الخطبة، بحيث تكون هناك مرونة تتناسب مع طبيعة الموضوع، ومستوى الخطيب، وحاجة الناس، دون إفراط أو تفريط.

فلا نقول أن تكون الخطبة طويلة مُرهِقة للمصلين، ولا أن تُترك بلا ضابط، بل المقصود أن تُمنح مساحة معقولة تتجاوز القيود الصارمة الحالية، وأن يُتاح للخطباء الأكفاء أن يقدموا علمهم بقدر من السَّعة التي تليق بمقام الخطبة، دون خوف من “سيف الوقت” أو تهديد بالعقاب الإداري.

فالمنابر في عهدكم شهدت تقدمًا واضحًا… فلا ينبغي أن تُسلَّط السيوف على رقاب العلماء.
وإن كان الهدف هو النفع العام، والارتقاء بالوعي، وبناء الإنسان، فإن إتاحة مساحة زمنية مناسبة هي جزء أصيل من هذه الرسالة.

وختام الهمسة:
يا معالي الوزير، أنتم أهل علم، وتدركون قيمة الكلمة، وتعلمون أن إصلاح المجتمع لا يتم على عجل، ولا تُبنى القيم في ربع ساعة، فليت وقت الخطبة يُعاد النظر فيه، ليمنح العلماء فرصة إيصال رسالتهم كاملة، وحتى يُثمر هذا التطور الذي شهدته المنابر ثمرته التي نرجوها جميعًا… وعندكم من الحكمة ما يكفي لأن تُستمع هذه الهمسة بقلب العالم، لا بأذن المسؤول.

About The Author