30 مارس، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

محمد رأفت فرج يكتب: هيبة العمامة ورسالة الدعوة بين قداسة المنبر ومهزلة الإعلان

بينما أتصفح موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وقعت عيني على منشورٍ لأستاذنا الدكتور عبد المنعم فؤاد، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر والمشرف العام على أروقة الجامع الأزهر الشريف، فوقفت عند كلماته طويلًا؛ إذ شعرت أنه عبّر عما كان يعتمل في خاطري منذ فترة، وأحزنني أمره حزنًا شديدًا، لقد لامس الدكتور الجليل جرحًا في جسد الدعوة المعاصرة، جرحًا يتمثل في صور بعض العلماء الذين ارتضوا أن تكون عمائمهم جزءًا من مشهد دعائي مبتذل، لا يليق بمقام العلم ولا برسالة الأزهر التي حملوها يومًا بقلوبٍ طاهرة ونوايا مخلصة.

ولعل غيرتي على هذا المشهد المؤلم نابعة من حبي العميق لذلك الزي الأزهري الذي أعشقه منذ أن ارتديته أول مرة في المرحلة الإعدادية أثناء دراستي في الأزهر الشريف. ما زلتُ أذكر شعوري يومها حين أحسست أنني أرتدي رمزًا من رموز الوقار، وأنني أحمل على كتفي عبق التاريخ العلمي والدعوي لأمةٍ أنارت الدنيا بالعلم والإيمان، ومنذ ذلك الحين وأنا أرى في هذا الزي شرفًا لا يُقاس بثمن، وهيبةً ينبغي أن تُصان، وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين وصف أصحاب هذا الزي بقوله: «كانوا أشد من الملوك جلالًا، وأعظم سلطانًا، وأفخم مظهرًا»، فهكذا كان العلماء في هيبتهم ونور علمهم ومكانتهم في قلوب الناس.

لم تكن العمامة يومًا مجرد زيٍّ يميز أهل العلم عن غيرهم، بل كانت وما زالت رمزًا لهيبة العلم ونقاء الرسالة، وامتدادًا لوقار المنبر الذي صدح منه العلماء على مدار القرون بالحق والهدى والنور، تلك العمامة التي حملت في طياتها تاريخًا من الزهد والعلم والبلاغ، أصبحت اليوم – للأسف – تُزَج في مواقف لا تليق بقداستها، حين تُستغل صور العلماء في حملات ترويجية وإعلانات تجارية هدفها الربح لا الدعوة، والتسويق لا التعليم.

أن ترى صور بعض المنتسبين إلى الدعوة معلقة على أعمدة الشوارع وجدران الكباري إلى جوار إعلانات رقائق البطاطس والمشروبات الغازية وأفلام السينما، فذلك مشهد مؤلم يختزل مأساة الانحدار القيمي في زمنٍ اختلطت فيه الرموز بالمظاهر، وتبدلت فيه الدعوة إلى الله بإعلانات الرحلات «الفاخرة» تحت عناوين براقة، وكأن الجنة تُنال ببطاقة سفر من فئة خمس نجوم.

إنها صورة تختصر انفصال بعض الدعاة عن روح الرسالة التي كُلِّفوا بحملها، وتُظهر كيف غلبت ثقافة «البيزنس» على ثقافة الدعوة.

العمامة التي كانت تُرفع على الرؤوس رمزًا للعلم والورع، لا يجوز أن تُعلّق اليوم في لوحات دعائية تبتسم فيها الوجوه بجوار أرقام فلكية تحت شعار «رحلات مميزة» أو «خدمة VIP». فكيف يتحول الركن الخامس من أركان الإسلام إلى سلعة تُباع وتُشترى؟ وكيف يُقدَّم الحج – وهو عبادة روحية عظيمة – في قالب سياحي يفاخر بدرجات الفنادق ونوعية الوجبات؟
أين ذهبت المعاني التي كان يغرسها العلماء الأوائل حين يحدثون الناس عن الإخلاص، والتجرد، والتقوى، والزهد في زخارف الدنيا؟

من المؤسف أن بعض من يحمل لقب «داعية» نسي أن الدعوة ليست مهنةً تُدار وفق منطق السوق، بل رسالة تتطلب الإخلاص والورع. والخلط بين الاثنين لا يسيء فقط إلى أصحاب العمائم، بل إلى صورة الدين ذاته في أعين العامة. فحين يرى الناس وجوه العلماء على لوحات الدعاية، قد تختلط عليهم الأمور، ويظنون أن العلم الديني صار وسيلة من وسائل الثراء أو التسويق، لا طريقًا إلى الله وابتغاء مرضاته.

ولو أن هؤلاء الدعاة أدّوا رسالتهم الحقيقية في المساجد، وأحيَوا دور المنبر في توعية الناس وهدايتهم، لما احتاج الناس إلى مرشدين دينيين في الفنادق أو عبر الإعلانات، فالمسجد هو المدرسة الأولى للروح والعقل، ومنبره هو المنصة التي تُبنى منها القيم وتُصلَح بها النفوس، غير أن غياب الصوت الصادق في ساحات العبادة فتح الباب أمام تسلل الأصوات الدعائية التي تخلط بين الدعوة والتجارة، فملأت الفراغ بصورة جذابة ومضمونٍ فارغ من الروح.

ما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد الاعتبار إلى معنى «العالم الرباني»، ذاك الذي يعلّم الناس قبل أن يتصدرهم، ويغرس فيهم أن الدين ليس مظاهر ولا شعارات، بل سلوك وأمانة وموقف. العالم الحقيقي هو من يزهد في الظهور إلا لحق، ويخشى أن يُنسب إليه ما يُخِل بوقار علمه وهيبته، إنه من يدرك أن صورته في قلب الناس أغلى من كل إعلان، وأن مكانته تُبنى بالعلم والخلق لا بعدسات الكاميرات.

إن الدعوة في جوهرها ليست مشروعًا تجاريًا ولا حملة ترويجية، بل جهد صادق لرفع الجهل عن الناس، وتقريبهم من معاني الرحمة الإلهية، ومن أراد أن يدعو إلى الله فعليه أن يبدأ بنفسه، فينأى بها عن مواطن الشبهات، ويصون رموزه الدينية من أن تُستغل في أغراض لا تليق. فالمؤمن مأمور بأن يكون قدوة، والعالم مؤتمن على دين الله في الأرض.

وختامًا، إن الحفاظ على هيبة العمامة ليس مجرد واجب شخصي على أصحابها، بل هو واجب جماعي على الأمة كلها؛ لأنها تمثل في وجدان المسلمين صورة القدوة الطاهرة التي تهدي ولا تبتز، وتدعو ولا تتاجر. ولْيَتَذَكَّر كل من يحمل هذه العمامة أن أول ما يُنظر إليه في الداعية ليس خطابه ولا علمه، بل سلوكه وصورته أمام الناس، فإن صلحت الصورة صدق القول، وإن ابتُذلت الصورة ضاع الخطاب في ضجيج الدنيا.

About The Author