11 فبراير، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

هل كان الحاج متولي رجلًا وصوليًا ومُتسلِّطًا؟ قراءة تحليلية في شخصية درامية أثارت الجدل!

بقلم د. هبة عبدالعظيم

لا تزال شخصية الحاج متولي، التي جسّدها الفنان الراحل نور الشريف في مسلسل عائلة الحاج متولي، واحدة من أكثر الشخصيات الدرامية إثارة للجدل في الدراما المصرية. فبين من يراها نموذجًا للرجل العصامي الذي بدأ من الصفر، وبين من يصفه بالرجل الوصولي والمتسلط، يبقى النقاش مفتوحًا حول طبيعة هذه الشخصية التي أثّرت في وعي المشاهدين لسنوات.

لكن هل كان الحاج متولي بالفعل وصوليًا؟ وهل مارس التسلط على من حوله؟ أم أن الشخصية أكثر تعقيدًا من هذه التصنيفات المباشرة؟

للوصول إلى إجابة متوازنة، لا بدّ من العودة إلى جذور الشخصية كما قدّمها العمل، فقد ظهر الحاج متولي في بدايته شابًا بسيطًا يعمل أجيرًا لدى أحد التجار الكبار، وتعلم منه أصول المهنة وتدرّج حتى امتلك مشروعه الخاص، هذا الصعود السريع فُهم لدى البعض كطموح مشروع ورغبة في تحسين الوضع الاجتماعي، بينما رآه آخرون محاولة للوصول إلى الطبقة الثرية عبر استثمار الظروف والعلاقات، خاصة بعد زواجه من أرملة معلمه ووراثته لأعماله، هنا نشأ السؤال: هل كان وصوليًا؟
الحقيقة أن العمل لم يقدمه كمتسلق بالمعنى الحرفي، بل كفرد يحسن استغلال الفرص ويملك ذكاءً اقتصاديًا واضحًا، لكنه، في الوقت نفسه، لا ينكر أنه استفاد من علاقاته وزواجه ليعزز مكانته الاجتماعية. لذا قد يكون الأقرب وصفه بأنه رجل براغماتي لا يفوّت فرصة، وليس وصوليًا بمعايير النفاق أو التزلف.

أما عن اتهامه بالتسلط، فهذا الجانب هو الأكثر وضوحًا في شخصية الحاج متولي داخل المسلسل، وخصوصًا في إدارته لحياته الأسرية، فقد كان متولي يعتمد على شخصية مركزية يُحكم بها السيطرة على بيوته الأربعة، ويضع قوانين واضحة لا تقبل الجدل، بدءًا من تقسيم الوقت بين زوجاته، وصولًا إلى تنظيم أدق تفاصيل المنزل، وقد ظهر في كثير من المواقف كربّ أسرة يفرض سلطته وقراراته، مستندًا إلى فهم تقليدي لمسؤولية الرجل، وهو ما فُسّر عند البعض بأنه شكل من أشكال الهيمنة الذكورية،
لكن، وفي المقابل، قدّم المسلسل جانبًا آخر من شخصيته، فقد كان متولي في كثير من الأوقات عادلًا وحريصًا على عدم ظلم زوجاته، ويُظهر احترامًا لبعض رغباتهن، بل ويقدم لهن مستوى معيشيًا مرفهًا، هذا التوازن خلق شخصية مركبة، تجمع بين الحزم وشيء من القسوة، وبين العطاء والحرص على الاستقرار الأسري، وإن كان بطريقته الخاصة.

المسلسل لعب أيضًا على فكرة تعدد الزوجات، وهو ما جعل الجمهور يتعامل مع الشخصية بنظرة انفعالية، فالبعض رآه نموذجًا يحاول تبرير سيطرة الرجل بغطاء ديني واجتماعي، والبعض الآخر اعتبره منصفًا لأنه كان يحاول أن يوازن بين عواطفه ومسؤولياته، لكن يبقى الأكيد أن طريقة إدارته لبيوته لم تكن خالية من التسلط والقرارات الأحادية التي قد لا تناسب العصر الحالي.

في النهاية، يمكن القول إن الحاج متولي لم يكن وصوليًا بالمعنى السلبي، لكنه كان رجلًا واقعيًا يستثمر الفرص لصالحه، كما أنه لم يكن متسلطًا بصورة مطلقة، لكنه مارس سلطة أبوية كانت مقبولة اجتماعيًا في زمانه، وإن بدت اليوم مثيرة للجدل،
قوة شخصية الحاج متولي تكمن في أنها ليست نموذجًا للكمال ولا للشر، بل مزيج إنساني يعكس مجتمعًا كاملًا بقيمه وتناقضاته، وهذا ما جعلها تبقى في الذاكرة حتى الآن.

About The Author