2 مارس، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

وعي الأوطان بين صخب البيانات ومقتضيات الأمن

الدكتور محمد بشاري

في أزمنة التوتر الكبرى تتكاثر البيانات السياسية، وتتصاعد الخطابات التعبوية، ويغلب على كثير منها منطق الاصطفاف السريع قبل استيعاب تعقيدات الواقع. وما شهدته المنطقة في أعقاب المواجهة العسكرية بين Iran من جهة، و*Israel* و*United States* من جهة أخرى، ثم انتقال آثار الصراع إلى عواصم عربية وخليجية، يكشف بوضوح أن المعركة لم تعد فقط عسكرية، بل أصبحت معركة خطاب وتفسير للواقع

. وقد صدرت في هذا السياق بيانات متعددة من حركات وتنظيمات سياسية في المنطقة، تحاول تأطير الحدث ضمن سردية كبرى تتحدث عن “الاستكبار العالمي” و“جبهة المستضعفين”، وتدعو الشعوب إلى الاصطفاف خلف أحد أطراف الصراع.

غير أن القراءة الهادئة لهذه البيانات تكشف مفارقة واضحة: فهي تدين الاعتداء العسكري الخارجي – وهو موقف مفهوم ومبدئي – لكنها في الوقت ذاته تتجاوز سؤالاً مركزياً يتعلق بأمن الدول العربية واستقرار مجتمعاتها عندما تصبح أراضيها أو عواصمها ساحة ردود عسكرية متبادلة. فالتضامن مع الشعوب لا يعني أبداً القبول بأن تتحول بلدان المنطقة إلى ميادين صراع إقليمي أو منصات لإطلاق الرسائل العسكرية بين القوى المتنازعة.

إن من حق أي دولة أن تدافع عن سيادتها وأمنها، لكن من حق الدول الأخرى أيضاً أن تحمي أمنها واستقرار شعوبها من أن تكون ضحية هذا الصراع. فحين تتساقط الصواريخ على مدن عربية وخليجية بحجة استهداف قواعد أو مصالح عسكرية، فإن الضحايا في النهاية هم المدنيون، والبنية التحتية للدول، والاقتصادات التي تشكل عصب حياة ملايين الناس. وهنا يصبح من الضروري التمييز بين رفض العدوان الخارجي من حيث المبدأ، وبين تبرير كل ما قد يصدر عن الطرف الذي يتعرض لهذا العدوان.

لقد اعتادت بعض الحركات الأيديولوجية أن تقدم الصراع في المنطقة بوصفه معركة كبرى بين الأمة وأعدائها، وأن تطلب من الشعوب الاصطفاف خلف مشروع سياسي معين باعتباره ممثلاً لإرادة التحرر. غير أن التجربة التاريخية للمنطقة تُظهر أن كثيراً من هذه المشاريع لم تكن بريئة من حسابات النفوذ والتوسع، وأن الشعارات الكبرى كثيراً ما استُعملت لتغطية سياسات تدخلت في شؤون دول عربية وأثقلت كاهل مجتمعاتها بصراعات مذهبية وسياسية.

إن الخطاب الذي يدعو إلى تجاوز الانقسامات المذهبية باسم وحدة الأمة يبدو في ظاهره نبيلاً، لكنه يفقد مصداقيته عندما يُطلب من شعوب المنطقة أن تتجاهل ما عانته بلدانها من تدخلات وصراعات غذّتها مشاريع إقليمية مختلفة. فالوحدة الحقيقية لا تُبنى على تجاهل الذاكرة السياسية للشعوب، بل على احترام سيادة الدول وعدم تحويل أراضيها إلى ساحات نفوذ.

كما أن تصوير المعركة الحالية على أنها معركة وجود للأمة الإسلامية يختزل تعقيدات الواقع الدولي والإقليمي. فالصراعات بين الدول غالباً ما تحكمها مصالح استراتيجية وحسابات جيوسياسية، وليس من الحكمة إلباسها لباساً دينياً يجعل من أي موقف متوازن أو حذر موقفاً مشبوهاً أو متخاذلاً. إن الإسلام، الذي يجمع المسلمين على قيم العدالة والرحمة، لا يمكن أن يُختزل في مشروع سياسي أو محور إقليمي مهما كانت شعاراته.

ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والفكرية تقتضي إعادة توجيه النقاش نحو أولويات أكثر واقعية. فالأمة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات الأيديولوجية، بل تحتاج إلى حماية استقرار بلدانها، وتعزيز اللحمة الوطنية داخل مجتمعاتها، والعمل على تجنيب شعوبها آثار الحروب التي لا تتحكم في قرارها ولا في نتائجها. إن الدولة الوطنية، رغم كل ما يقال عنها في بعض الخطابات الحركية، تظل الإطار الذي يحفظ الأمن ويصون المصالح ويمنع الانزلاق إلى الفوضى.

ولذلك فإن الدعوة إلى تحويل أراضي الدول إلى قواعد صراع بين القوى المتنافسة، أو تبرير استهدافها تحت أي ذريعة، لا يخدم قضية الأمة ولا يحقق العدالة التي يتحدث عنها الخطاب التعبوي. فالأوطان ليست مجرد مساحات جغرافية يمكن التضحية بها في معارك الآخرين، بل هي مجتمعات بشرية لها حق في الأمن والاستقرار والتنمية.

إن الرد الهادئ على الخطابات المتشنجة لا يكون بالاتهام أو التشهير، بل بإعادة التذكير بحقائق أساسية: أن التضامن مع المظلوم قيمة أخلاقية، لكن حماية أمن الأوطان واجب لا يقل أهمية. وأن الدفاع عن الدين لا يتعارض مع الدفاع عن الدولة التي يعيش فيها الإنسان، بل إن صيانة الاستقرار من أعظم مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ النفس والعمران.

وقد أثبتت التجارب الحديثة أن المشاريع التي وضعت التنظيم فوق الدولة، والجماعة فوق المجتمع، انتهت في كثير من الأحيان إلى صدام مع الواقع وإلى فقدان ثقة الشعوب. أما الدول التي حافظت على تماسكها الداخلي وبنت مؤسسات قوية، فقد استطاعت أن تواجه الأزمات الإقليمية والدولية دون أن تنزلق إلى الفوضى.

إن اللحظة الراهنة تتطلب خطاباً أكثر اتزاناً، يعترف بتعقيدات الصراع دون أن يسقط في فخ الدعاية، ويؤكد أن أمن البلدان العربية والخليجية خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي شعار. فالأمة التي تريد أن تحافظ على مستقبلها لا بد أن تبدأ بحماية أوطانها، وأن تدرك أن الاستقرار ليس موقفاً سلبياً، بل شرط أساسي لأي نهضة أو مقاومة أو مشروع حضاري.

وفي نهاية المطاف، قد تتغير التحالفات وتتعاقب موازين القوى، لكن الأوطان التي تحافظ على وحدتها الداخلية وتضع أمن شعوبها فوق كل اعتبار هي التي تبقى قادرة على مواجهة العواصف. أما الشعارات التي تتجاوز الواقع وتطلب من الناس أن يضحوا بأمن بلدانهم في معارك الآخرين، فإنها سرعان ما تتلاشى عندما تنكشف كلفة الحروب الحقيقية على حياة المجتمعات.

About The Author