لم يكن الدكتور أحمد نعينع يومًا مجرد مقرئ للقرآن الكريم، بل كان ـ ولا يزال ـ مدرسة صوتية وروحية توسطت قلوب الملايين عبر عقود طويلة من العطاء. تاريخ هذا الرجل يزخر بمحافل وساحات ترتجف خشوعًا حين يصدح صوته بالقرآن، فقد جاب الدنيا شرقًا وغربًا سفيرًا لكتاب الله، يحمل صوته، وروحه، ووجهًا يضيء بنور التلاوة. من مصر إلى أقصى الأرض، كانت تلاواته تسبق خطواته، تشهد بمكانته وتاريخه المُشرّف في خدمة القرآن.
ولذلك؛ حين تطالعنا حملات ممنهجة تستهدف قامات بحجم الدكتور نعينع، ندرك أننا أمام حالة من العبث والانسياق خلف ضجيج لا يعرف قدر العلماء ولا يحفظ لأهل القرآن مكانتهم. ليس أقل دليلًا على ذلك ما شهدناه مؤخرًا من تصريحات وبيان نُشر على صفحة نقابة القراء، ومُذيل بتوقيع نقيب القراء نفسه، في مشهد لا يليق لا بمكانة النقابة ولا بمن تتحدث عنه.
ما كان ينبغي لنقيب القراء أن يفعل ذلك مع علم كبير وقامة قرآنية يعرفه الشرق والغرب، نتاج الدكتور نعينع تحدثك عنه يا نقيب القراء مكتبات الاذاعات والقنوات ومنصات التواصل، فأين نتاج فضيلتكم – مع احترامي الكامل لكم- والذي لم ولن يبلغ عشر معشار تراث الدكتور نعينع.
الأمر لا يتعلق بشخص عادي، بل برمز من رموز مصر القرآنية، رجل تزين باسمه مكتبات التلاوات في إذاعات العالم كله، وحفظت الأجيال صوته جنبًا إلى جنب مع كبار القراء الذين صنعوا هوية هذا البلد الدينية والروحانية، فكيف يُستساغ ـ بعد كل هذا التاريخ ـ أن يُنصب له البعض محاكم التفتيش الصوتية؟ وكيف نسمح لأنفسنا بأن يتحول الاختلاف ـ إن وُجد ـ إلى تشهير وإساءة، بدلًا من الاحتواء والتقدير والاحترام؟
إن ما حدث لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق عام أصبح فيه النيل من الرموز أسهل كثيرًا من الدفاع عنهم. أصبح البعض يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كسيف مشهر على رقاب الشخصيات العامة، دون اعتبار لسن، أو تاريخ، أو أثر في قلوب الناس.
الحملة الأخيرة ضد الدكتور نعينع ليست مجرد خلاف عابر، بل تحمل بين طياتها رائحة تصفية الحسابات، ومحاولات إعادة ترتيب المشهد القرآني بطرق لا تخلو من الإقصاء، ومن المخجل أن تصدر تلك الحملة عن كيان من المفترض أنه حائط الصد الأول لحماية أهل القرآن، لا أن يكون جزءًا من حملة النيل منهم.
الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن القامات لا تهتز بعاصفة عابرة، وأن التاريخ لا يُمحَى بقرار ولا منشور ولا توقيع، مكانة الدكتور أحمد نعينع محفوظة في قلوب الناس، قبل أن تُحفظ في سجلات النقابة. والناس عادةً أكثر صدقًا وفهمًا من بعض الإدارات التي تتقلب مع ساعات الغضب وأهواء اللحظة.
إن الدفاع عن رموزنا ليس دفاعًا عن أشخاص بقدر ما هو دفاع عن قيم: الوفاء، والتوقير، وحفظ الجميل. وإذا كنا نريد مستقبلًا يحترم القرآن وأهله، فيجب أولًا أن نحمي من بذلوا أعمارهم في خدمته.
ختامًا، نقول بكل وضوح: سيظل الدكتور أحمد نعينع صوتًا من ذهب، لا يخفت بقرار ولا ينال منه تجريح. وسيبقى في وجدان الأمة كما عهدناه: مقرئًا يبث الطمأنينة في الأرواح، ويحفظ لكتاب الله هيبته وقدره.

المزيد من القصص
محمد رأفت فرج يكتب: «حين يكون الوداع قرآنًا.. الشيخ الخشت يجسّد الوفاء في نعي الصاوي»
الدكتورة هدى درويش أيقونة التسامح والحوار بين الأديان في ذمة الله
محمد رأفت فرج يكتب : الشيخ الحصري .. والشيخ علي جمعة