11 فبراير، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

خطوة في طريق الخلود

بقلم د. حمد الله الصفتي 

عضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر

 
لا يستطيع إنسان مهما كانت ثقافته ولغته أن يخفي انبهاره بالحضارة المصرية القديمة، لما تشتمل عليه هذه الحضارة من عظمة مظهر، وروعة بناء، ودقة علم، وإبداع فكرة، وبقاء يتحدى الزمن في عزم سافر، حتى إن المطلع عليها ليشعر بضآلة ما انتهت إليه المدنية الحديثة في مظاهر تطورها، أمام حضارة عفت عليها أزمان وأزمان، فيخيل إليه أنها سحر أو شبيهة بالسحر.
ولعل هذا هو السر الذي يدفع آلاف السائحين إلى قصد الديار المصرية للاستمتاع بذلك السحر الخلاب المنبعث من أرجاء تلك الحضارة القديمة، بل لعل ذلك هو الباعث إلى افتخار الأمم جميعا بتلك الحضارة وآثارها، وإن لم يكونوا من صناعها، فلا تكاد تجد عاصمة من عواصم العالم الحديث إلا وفيها أثر مصري قديم، يقف شاهدا على حضارة أمة قد خلت.


لقد زرت غالب الآثار المصرية: القديمة والرومانية والقبطية والإسلامية، لكن يبقى لزيارة أهرامات الجيزة في نفسي طابع خاص، فما من مرة أزورها إلا ويسيطر على عقلي خاطر لا أستطيع دفعه، بأن بقاء الإنسان في هذه الحياة يرتبط ارتباطا أكيدا بما يخلفه وراءه من أثر، وكلما كان عمل الإنسان في هذه الحياة عظيما، وكلما كان أثره مفردًا جليلا، كلما اختط لنفسه خطة في سبيل الخلود.
تبعث الأهرام في نفسي هذا المعنى العميق لكون الإنسان مجرد أثر في هذه الحياة، وهو معنى إسلامي أصيل عبر عنه القرآن الكريم في بلاغة رائعة حين قال: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]. قال الإمام القرطبي: « فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر: يجازى عليها، من أثر حسن ـ كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس احتبسوه (يعني: الوقف)، أو بناء بنوه، من مسجد، أو رباط، أو قنطرة، أو نحو ذلك ـ أو سيئ، كوظيفة وظفها بعض الظُّلَّام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، أو شيء أحدثه فيه صد عن ذكر الله من ألحان ومَلاهٍ، وكذلك كل سنة حسنة، أو سيئة يُستن بها».
ولقد فتح لنا النبي ﷺ باب التنافس في صنع الآثار الطيبة في هذه الحياة، ومما ورد في ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول النبيُّ ﷺ: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [رواه مسلم].
ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا، أن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ ممَّا يَلحَقُ المؤمنَ مِن عَملِه وحَسناتِه بعْدَ مَوتِه: عِلمًا علَّمَه ونَشَرَه، ووَلدًا صالحًا تَرَكَه، ومُصحَفًا وَرَّثَه، أو مَسجدًا بَناهُ، أو بَيتًا لابنِ السَّبيلِ بَناهُ، أو نَهرًا أجْراهُ، أو صَدَقةً أخْرَجَها مِن مالِه في صِحَّتِه وحَياتِه، يَلحَقُه مِن بعدِ مَوتِه» [رواه ابن ماجه].
فقد أشار البيان النبوي الشريف إلى أن آثار الإنسان التي توجب له البقاء بعد رحيله من الدنيا تنتظم سائر نشاطات الحياة النافعة للخلق، فمن نشر العلم والثقافة، إلى إقامة البناء والعمران، ومن مكافحة الفقر والحاجة، إلى تربية الأجيال الراشدة، وهل تقوم الحضارة الإنسانية على شيء غير هذا؟
لقد انتظم النص النبوي الشريف العلم والاقتصاد والتربية، ليشير إلينا أن كل فرد قادر على أن يُبقي لنفسه في هذه الحياة أثرا خالدا إذا ما أراد، ليس عليه لتحقيق ذلك سوى الاجتهاد وبذل الطاقة والوسع، في مجال يرى نفسه فيه مبدعا خلاقا، إنها دعوة لاكتشاف النفس، وتوظيف القدرات والطاقات، ليخطو الإنسان بعدها خطوة جادة في الحياة، خطوة في طريق الخلود.

لكنَّ ذِكْـرَ الـعَـبْـدِ يـَخْـلُـدُ إنْ مَـضـى
وَلَـهُ مَقــامٌ فـي الـمَـآثِــرِ مُطْنِـبُ
كالبَـدْرِ بَعْدَ الشَّمْسِ يَعْكِسُ ضَوْءهـا
فَـكأنَّـهـا بِـبُــزوغِــهِ لا تَـغْـــرُبُ

About The Author