6 مايو، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

د. هبة عبد العظيم تكتب: المسلسلات العمودية.. ثورة صينية تعيد تشكيل صناعة الترفيه عالمياً

لم تعد صناعة الدراما كما كانت قبل سنوات قليلة، فالتغيرات المتسارعة فى أنماط المشاهدة دفعت إلى ظهور أشكال جديدة من المحتوى، كان أبرزها ما ابتكرته الصين مؤخراً تحت مسمى “المسلسلات العمودية”. هذا النمط الذى يقوم على حلقات قصيرة لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين، لم يعد مجرد تجربة عابرة، بل تحول إلى صناعة متكاملة تعكس تحولات عميقة فى سلوك الجمهور، خاصة فى عصر الهواتف الذكية والمحتوى السريع.
بدأ هذا النموذج فى الانتشار خلال جائحة كوفيد-19، حين تغيرت عادات المشاهدة بشكل جذرى، وازداد الاعتماد على المحتوى الرقمى السريع. ومع مرور الوقت، نجحت هذه المسلسلات فى جذب مئات الملايين من المشاهدين داخل الصين، حيث وصل عدد متابعيها إلى نحو 660 مليون شخص فى عام 2024، وهو رقم يكشف حجم التحول الذى يشهده سوق الترفيه، ليس فقط فى الصين، بل على مستوى العالم.
تعتمد المسلسلات العمودية على فكرة بسيطة لكنها فعالة: محتوى سريع، مكثف، وينتهى غالباً بلحظة تشويق تدفع المشاهد لمتابعة الحلقة التالية. هذه المعادلة تتناسب تماماً مع طبيعة الجمهور الجديد الذى يفضل الاستهلاك السريع للمحتوى، بعيداً عن الحلقات الطويلة التقليدية التى تتطلب وقتاً وتركيزاً أكبر. كما أن انخفاض تكاليف الإنتاج وسرعة التنفيذ جعلا هذا النموذج جذاباً للمنتجين والمستثمرين على حد سواء.
ولم يكن هذا النمو ليتحقق دون دعم حكومى واضح، حيث قدمت العديد من المدن الصينية حوافز سخية للشركات العاملة فى هذا المجال. فى منطقة بودونغ بشنغهاى، على سبيل المثال، يمكن للشركات الحصول على دعم يصل إلى 300 ألف يوان، إلى جانب تسهيلات أخرى تشمل قروضاً مخصصة وحوافز ضريبية وإمكانية الوصول إلى تقنيات متقدمة مثل وحدات معالجة الرسومات. هذه السياسات تعكس إدراكاً رسمياً لأهمية هذا القطاع كأحد روافد الاقتصاد الرقمى.
الأرقام الاقتصادية بدورها تؤكد هذا الصعود اللافت، إذ بلغ حجم سوق المسلسلات القصيرة والرسوم المتحركة المدعومة بالذكاء الاصطناعى فى الصين نحو 100 مليار يوان فى عام 2025، مع توقعات بمزيد من النمو ليصل إلى 16.2 مليار دولار داخل الصين و9.5 مليار دولار فى الأسواق الخارجية بحلول عام 2030. هذه المؤشرات تعكس تحول هذا النمط من مجرد محتوى ترفيهى إلى صناعة استراتيجية ذات عوائد اقتصادية كبيرة.
غير أن ما يميز هذه الصناعة ليس فقط شكلها الجديد، بل اعتمادها المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعى. فقد دخلت كبرى شركات التكنولوجيا الصينية بقوة فى هذا المجال، حيث أطلقت منصة iQiyi أدوات لربط المنتجين بالممثلين الراغبين فى ترخيص صورهم رقمياً، بينما دعمت منصات أخرى مثل كوايشو وتينسنت إنتاج المحتوى المعتمد على الذكاء الاصطناعى من خلال مسابقات وأدوات إنتاج متطورة. كما ساهمت تقنيات حديثة فى خفض تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ، ما فتح الباب أمام إنتاج كميات ضخمة من المحتوى يومياً.
هذا التكامل بين التكنولوجيا والإنتاج الإعلامى خلق نموذجاً جديداً يقوم على إدارة العملية بالكامل من خلال أنظمة ذكية، بدءاً من كتابة السيناريو، مروراً بالتصوير والمونتاج، وصولاً إلى التوزيع عبر خوارزميات التوصية والإعلانات. ونتيجة لذلك، تم إنتاج مئات المسلسلات القصيرة يومياً، فى ظاهرة غير مسبوقة تعكس قدرة التكنولوجيا على إعادة تشكيل الصناعة.
لكن، رغم هذا النجاح الكبير، لا يخلو المشهد من تحديات جدية، على رأسها القضايا القانونية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية وحقوق الفنانين. فقد أثار إدراج أسماء عدد كبير من الفنانين فى قواعد بيانات دون موافقتهم جدلاً واسعاً، ما دفع الجهات التنظيمية إلى التحرك لوضع قواعد جديدة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعى فى هذا المجال. ويخشى البعض أن يؤدى غياب إطار قانونى واضح إلى إبطاء نمو هذه الصناعة أو خلق صراعات قانونية معقدة فى المستقبل.
فى النهاية، تمثل المسلسلات العمودية نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للابتكار التكنولوجى أن يغير قواعد اللعبة فى صناعة الترفيه. فهى ليست مجرد صيحة مؤقتة، بل مؤشر على تحول أعمق فى طريقة إنتاج واستهلاك المحتوى. ومع استمرار التطور التكنولوجى، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة، قد تصبح فيها الدقائق القليلة كافية لصناعة نجومية، وتحقيق أرباح، وصياغة مستقبل الترفيه.

About The Author