11 فبراير، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

محمد رأفت فرج يكتب : ذاكرة الكُتّاب والمعهد.. من باسوس إلى أبو الغيط حكاية أول جرس في الذاكرة ويوم لا ينسى

في كل عمر لحظة تبقى عالقة لا يغطيها الغبار مهما مرت عليها السنون، ولحظة أول يوم دراسة واحدة من تلك اللحظات التي تظل تنبض في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس، خرجت صباح اليوم مبكرًا كعادتي متجهًا إلى عملي، فإذا أمام مشهد يعيدني بالذاكرة إلى ما يقرب من ٣٥ عامًا، مشهد الأطفال في أول يوم دراسي، ففي صباح خريفي دافئ، حملتني قدماي الصغيرتان ممسكا بيد والدي حفظه الله وبارك في عمره، خارجًا من بلدتي باسوس، متجهًا إلى معهد البشير الابتدائي الأزهري بقرية أبو الغيط التابعة لمركز القناطر الخيرية بالقليوبية، المعهد الذي أصبح بوابتي إلى العلم، فلم يكن قد تأسس في قريتنا معهد أزهري آنذاك، فكانت المسافة بين البيت والمدرسة قصيرة نسبيًا، لكنها في عيني الطفل الذي كنتُه بدت رحلة إلى عالم جديد، عالم يختلط فيه الخوف بالفضول، والرهبة بالأمل.

دخلت إلى ساحة المعهد وأنا أتشبث بيدي والدي، أتأمل الوجوه الصغيرة المندفعة مثلي، بعضها يبكي وبعضها يضحك وبعضها يقف مذهولًا أمام الجدران العالية، فكان قلبي يخفق بشدة، ورائحة الطباشير تختلط في أنفي مع رائحة الحبر الجديد وملابس المدرسة النظيفة، في لوحة أولى لن أنساها ما حييت، لم تكن بداية الطريق مجرد دخول فصل أو الجلوس على مقعد خشبي، بل كانت ولادة لمرحلة جديدة من العمر، مرحلة تفتح فيها العقل على المعارف، وتفتحت فيها الروح على الصداقات.

كان معلمونا في المرحلة الابتدائية أشبه بآباء وأمهات ثانويين، احتضنونا بحنان وعلمونا الصواب قبل أن يعلمونا الكتاب. الأستاذ عبدالله عبد الرحمن، بوجهه الهادئ وصوته المطمئن، كان يشرح الدروس كمن يسقي زرعًا يحتاج إلى العناية، صبورًا إلى أبعد حد، لا يمل من إعادة الشرح حتى يستوعب الجميع، أما الأستاذ محمد حجاج، فقد كان يملك ابتسامة دائمة تجعل من الفصل مكانًا محببًا، كان يشرح بابتكار ويحوّل الحصة إلى حكاية، فلا يمل التلاميذ ولا يهرب انتباههم، وأما الأستاذ أحمد سيد صومع فقد كان مثالًا للمخلص الجاد، يحمل في قلبه حزم الأب وحرصه، فإذا تكلم أنصتنا جميعًا بخشوع، وإذا نصح شعرنا أن قلبه يخاف علينا أكثر مما نخاف على أنفسنا، وإذا قرأ القرآن امتعنا بصوته. 

المعلمات أيضًا كنّ شموسًا صغيرة في ذلك الزمن الجميل، فكانت الأستاذة سعيدة أول من يستقبلنا على أبواب المعهد بابتسامة حانية وصوت مشجع، فتخف رهبتنا ونحن نعبر عتبة المدرسة للمرة الأولى، كأنها جسر الأمان بين البيت والفصل، والأستاذة فاطمة كانت عنوان الحنان، تمد يدها للطفل الباكي وتربت على كتفه حتى يهدأ، تعلمنا منها أن المعلم يمكن أن يكون أمًا ثانية، والأستاذة سميحة كانت رقيقة كنسمة صباحية، تعلمنا أن العلم لا يكتمل إلا بالخلق، وأن الاحترام سر من أسرار النجاح، أما الأستاذة مريم فقد كانت صاحبة قلب ناصع، كلماتها هادئة، وصوتها حين تنادينا كان يزرع الثقة في أرواحنا الصغيرة، والأستاذة سمية كانت نموذجًا للموازنة بين الحزم والرحمة، علمتنا النظام والجدية، لكنها كانت أيضًا تدرك متى تبتسم لتضيء القلوب.

ولأن المعهد أزهري، فقد كان للشيوخ الأفاضل حضورهم البهي في حياتنا، فهم الذين غرسوا فينا حب القرآن وحلاوة التلاوة، بعدما بدأ في كتاب القرية حيث كانت البداية في كُتاب سيدنا الشيخ حامد عليوة منذ نعومة الاظفار، ثم الانتقال إلى كتاب الشيخ مصطفى عبد الفتاح، وفي المعهد كان الشيخ محمد المريجي ذا هيبة تفرض نفسها، هيبة تجعلنا نحب القرآن من شدة وقاره قبل أن نخشاه من شدة حزمه، أما الشيخ إسماعيل شلبي فقد كان وديعًا مبتسمًا، يدخل علينا كنسيم من الرحمة، يلين القلوب على الحفظ ويجعل من كل آية غذاء للروح، والشيخ محمد عمر كان صوته إذا تلا القرآن يفتح نوافذ من نور في أعماقنا، صوته لا يغادر الذاكرة وكأنه سجل في أرواحنا نقشًا خالدًا، وكان شيخ المعهد، الأستاذ مجدي يس جعفر، بمثابة القائد الحكيم الذي يرعى الجميع بعينه الساهرة، يملك شخصية مهيبة ولكنها مطمئنة في الوقت ذاته، يسير بين الفصول فيسود النظام، ويتحدث إلينا فيشعر كل واحد منا أن له مكانة خاصة، كان مثالًا للرجل الذي يجمع بين القيادة والإنسانية، فترك أثرًا في نفوسنا جميعًا.

وبين أروقة المعهد لم يكن العلم وحده ما نتلقاه، بل كانت الصداقة تزهر في القلوب، زملاء الدراسة كانوا بمثابة إخوة صغار، نلهو معًا ونحلم معًا ونبني أولى اللبنات في طريق الحياة، حسين حنفي، وعمرو سيد، وأحمد السيد، وجدي عبد المنعم، ومحمود عوني وشقيقه أمير. 

وبعد يومٍ حافل بتحصيل العلم في المعهد، كنت أعود بخطواتي المتعبة لكن المشتاقة إلى مجلس آخر من النور، حيث يجلس شيخي الجليل الشيخ مصطفى عبدالفتاح حفظه الله، في الكُتّاب، كان صوته في التلاوة رائعًا إلى حدٍ لا يوصف، صوتًا يطرق القلب قبل الأذن، فيسري في الروح كنسيم سماوي، يجعل من كل آية رحلة في رحاب القرآن، هناك، بعيدًا عن ضوضاء الفصول وضجيج الطفولة، كنت أجد السكينة في صحبة الكتاب، أتنقل من مقعد المدرسة إلى حصير الكُتّاب وكأنني أعبر من بحرٍ إلى بحر، كلاهما ماؤه عذب لكنه يروي الروح بطرق مختلفة، وفي ذلك الجو المبارك، لم أكن وحدي، فقد كان بجانبي الصديق الأقرب والأوفى عماد بكر، رفيق الدرب في الحفظ والمذاكرة، يشارك معي لحظات الجد والمرح، وكذلك المرحوم إبراهيم خيري، الذي رحل بجسده لكنه ترك في القلب أثرًا لا يمحى، بضحكته الطيبة وحضوره العفوي. كانت تلك الصحبة الجميلة تكمل صورة الطفولة الأولى، حيث يلتقي نور الدراسة بنور القرآن، لتتشكل الذكريات كخيوط ذهبية تمتد في العمر كله.

مرت الأيام، وكبرنا، لكن مشهد أول جرس وأول مقعد وأول وجه من معلم أو زميل ظل ثابتًا في القلب. هناك في ساحة معهد البشير، حيث ارتجفت الأيادي الصغيرة لأول مرة وهي تكتب على الكراسات البيضاء، وحيث ارتفعت أصواتنا المرتعشة في ترديد أولى سور القرآن، بدأت الحكاية التي امتدت لتصنع حاضرنا، ما كان مجرد يوم دراسة أول، بل كان يومًا من أيام العمر الكبرى، يومًا وضع حجر الأساس لرحلة طويلة.

وعندما أسترجع تلك الذكريات اليوم، أجد أن كل اسم وكل وجه وكل ابتسامة بقيت لتشكلني كما أنا، إنهم جميعًا — أساتذتي ومعلماتي وشيوخي وزملائي — بصمات نورية في قلبي، لا تمحوها الأيام ولا تخفيها السنين، فذلك اليوم الأول لم يكن بداية عام دراسي، بل كان بداية رحلة إنسانية كاملة، رحلة ما زالت تنبض بالامتنان حتى الآن.

About The Author