يمر الإنسان في حياته بمحطات كثيرة لا تشبه بعضها؛ أيامًا ممتلئة بالفرح، وأخرى تثقلها الأسئلة والقلق والانتظار، وفي لحظات معينة قد يشعر المرء أنه يسير وحده في طريق طويل، وأن ما يواجهه من ضغوط يفوق قدرته على الاحتمال، لكن الإنسان لا يرى الصورة كاملة، ولا يعرف دائمًا لماذا تأخرت بعض الأشياء، ولماذا انتهت علاقات، ولماذا أُغلقت أبواب كان يظن أنها الطريق الوحيد إلى مستقبله، وبعد سنوات، قد ينظر إلى الماضي فيكتشف أن كثيرًا مما ظنه قسوة كان يحمل في داخله قدرًا من اللطف لم يدركه في وقته.
ولطف الله بالإنسان لا يعني أن الحياة ستخلو من الصعوبات، وإنما يعني أن الإنسان لا يواجهها بلا سند. ففي تفاصيل يومه الصغيرة مساحات واسعة من العناية التي قد لا يلتفت إليها، أن يستيقظ الإنسان صباحًا، وأن يجد حوله من يسأل عنه، وأن يملك فرصة جديدة لإصلاح خطأ، وأن تأتيه كلمة طيبة في لحظة احتياج، أو يلتقي شخصًا يفتح أمامه بابًا لم يكن يراه؛ كلها صور من النعم التي اعتدنا وجودها حتى صارت تمر أمام أعيننا دون أن نمنحها حقها من التأمل.
وفي أحيان كثيرة يأتي اللطف في صورة مختلفة تمامًا عما نتوقع، قد نتمسك بعمل ونعتقد أن فقدانه كارثة، ثم نكتشف بعد فترة أنه كان يستهلك طاقتنا ويمنعنا من اكتشاف قدرات أخرى، وقد نحزن على علاقة انتهت، ثم نفهم مع مرور الوقت أن استمرارها كان سيزيد من تعبنا، وقد نتألم بسبب فرصة لم تكتمل، ثم تأتي فرصة أخرى أكثر ملاءمة لشخصيتنا وظروفنا، فالإنسان بطبيعته ينظر إلى اللحظة، بينما تتكشف له الحكمة مع الزمن.
ومن أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في أوقات القلق أن يتعلم ألا يفسر كل تأخير على أنه رفض، ولا كل تعثر على أنه فشل، ولا كل نهاية على أنها خسارة، فالحياة لا تسير دائمًا وفق الجدول الذي نضعه لها، وربما كانت بعض المنعطفات ضرورية حتى نصل إلى الأماكن التي تناسبنا حقًا، لذلك فإن الهدوء أمام المجهول ليس استسلامًا، بل ثقة بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، وأن يتعلم من التجربة بدلًا من أن يبقى أسيرًا لها.
واللطف لا يظهر فقط في الأحداث، بل يظهر أيضًا في قدرة الإنسان على تجاوزها، كم مرة ظن شخص أنه لن يستطيع تحمل موقف معين، ثم مرت الأيام واكتشف أنه أصبح أقوى؟ وكم مرة دخل الإنسان أزمة ظن أنها ستنهي مرحلة كاملة من حياته، ثم خرج منها أكثر نضجًا ووعيًا بنفسه وبالآخرين؟ نحن نكتشف قوتنا غالبًا عندما تضطرنا الحياة إلى استخدامها، ونكتشف قيمة الأشخاص من حولنا عندما نحتاج إلى وجودهم، ونكتشف معنى الأشياء التي اعتدناها عندما نفتقدها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يتوقف الإنسان قليلًا عن مطاردة ما ينقصه، وأن ينظر إلى ما بين يديه، فالشعور المستمر بأن السعادة مؤجلة إلى أن تتحقق وظيفة معينة، أو علاقة معينة، أو نجاح معين، يجعل الإنسان يعيش في انتظار دائم، أما الامتنان لما هو موجود، والسعي إلى تحسين ما يمكن تحسينه، وقبول ما لا يمكن تغييره، فهي أمور تمنح الحياة قدرًا أكبر من التوازن والرضا.
إن آية «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» في القرآن الكريم تفتح أمام الإنسان معنى عميقًا للقرب والرعاية، وتدعوه إلى ألا يستسلم لشعور الوحدة مهما اشتدت الظروف. فحين تضيق الحياة، قد لا يتغير الواقع فورًا، لكن نظرتنا إليه يمكن أن تتغير، وقد لا تختفي المشكلة، لكننا نصبح أكثر قدرة على التعامل معها، وبين الخوف والانتظار، تأتي الطمأنينة التي تجعل الإنسان يؤمن بأن خلف كل يوم فرصة جديدة، وأن الرحلة مهما بدت شاقة ليست خالية من اللطف.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يواصل السير، حتى عندما لا يعرف إلى أين تقوده الخطوة التالية. أن يعمل بما يستطيع، ويحسن الاختيار، ويحفظ قلبه من اليأس، ويترك مساحة للمفاجآت الجميلة التي تأتي من حيث لا يحتسب، فالحياة ليست دائمًا كما نخطط لها، لكنها كثيرًا ما تمنحنا أشياء لم نكن نعرف أننا نحتاج إليها، وفي هذا المعنى يصبح لطف الله حاضرًا في تفاصيل الطريق، لا باعتباره وعدًا بحياة بلا ألم، وإنما باعتباره نورًا يساعد الإنسان على عبور الألم، ورؤية ما بعده.

المزيد من القصص
د. عبد المنعم فؤاد يكتب: الغناء الهابط والتدني الاخلاقي
د. احمد علي سليمان يكتب: ربيع الأول.. ربيع الأنور
هبة عبد العظيم تكتب حين يتحول البطل إلى “ترند”.. هل فقدت الدراما رسالتها؟!