24 مايو، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

د. وسام البحيري يكتب: من مدرسة الحصري إلى آفاق مصطفى إسماعيل.. رحلة الترتيل بين التعليم والإبداع

انتهت رحلة المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم للقارئ الشيخ محمود خليل الحصري
وهي رحلة تعليمية بالدرجة الأولى وهذا لا ينقص قدر صوته بل يزيده بهاء ورفعة

وإليك تفصيل ما أخبرتك به إجمالا..

الحصري صوتٌ شقَّ حُجبَ السماء، وجاء من غيب الخشوع ليحكم قبضة التدبر على القلوب.

هكذا يمكننا وصف المصحف المرتل لشيخ المقارئ، محمود خليل الحصري، الذي لم يكن مجرد تسجيل لآيات الذكر الحكيم، بل كان فتحاً ربانياً، وهندسة صوتية وإيمانية صاغت وجدان الأمة الإسلامية.

حين تستمع إلى الشيخ الحصري، تشعر فوراً بـ “هيبة النص”.

لقد نجح الشيخ في تنحية ذاته تماماً؛ فلا تجد في ترتيله استعراضاً لعرب صوتية، ولا تكلّفاً في نغم، ولا طلباً لثنائه أو إعجاب السامعين.

إنك أمام صوت “مستقيم” كالصراط، جردته التقوى من كل حظوظ الدنيا، فصار الترجمان الأنقى لكلام الله، وكأن الآيات تنزل الآن غضة طرية كما أُنزلت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

مصحف الحصري المرتل هو الإعجاز التطبيقي لعلم التجويد؛ فالغنة عنده لها روح، والمد لديه رحلة يتسع لها صدر المؤمن، ومخارج الحروف تخرج كجواهر مصقولة استقرت كل واحدة منها في مكانها المقدر لها بميزان من ذهب.

لم يكن يقرأ الأحكام بجفاف القواعد المكتوبة، بل كان يتنفسها، فصار ترتيله مدرسة تعليمية تمس شغاف القلب قبل أن تدركها العقول.

من أعظم ما يميز هذا المصحف هو وعي الشيخ العميق بالمعاني؛ فهو لا يقف إلا حيث يكتمل المشهد الإيماني في ذهن المستمع، ولا يبتدئ إلا من حيث يتجلى جلال الآية.

إن وقفات الحصري هي “وقفات تدبرية” تمنح الروح فرصة لتلتقط أنفاسها، وتتأمل مراد الله، فيتحول السامع معه من مرتبة الاستماع إلى مرتبة الشهود واليقين.

يتميز نبر صوته برنين رخيم، فيه صرامة الحق، وحنان الأبوة، وعمق الخشية.

إنه الصوت الذي يصلح لظلمات الليل حين يخلو العبد بربه، ويصلح لضحى النهار ليملأ البيوت سكينة بركتها.
الحصري صوت يبعث في النفس الطمأنينة ويطرد وساوس الصدر، حتى كأن المستمع يجلس في محراب من النور لا تكدره كدورات الأرض.

>> التنقل بين مرتل الشيخين الحصري ومصطفى إسماعيل له مزية خاصة فأنت تعلمت أصول الترتيل وها قد وجب عليك اتقان فن الترتيل

مع أفول شمس مرتل الحصري وشروق شمس مرتل مصطفى إسماعيل تجد نفسك وقد تأهلت للدخول لمرحلة تعليمية جديدة .. نعم .. فأنت الآن صعدت من مسار الترتيل التعليمي إلى آفاق التصوير النغمي والوجداني البديع.

الشيخ مصطفى إسماعيل لم يكن يرتل الآيات فحسب، بل كان “يرسمها” بنبرات صوته. يمتلك قدرة عبقرية على تطويع المقامات الموسيقية العربية لخدمة النص القرآني دون تكلف. إنك تستمع إليه وهو يصور مشاهد القيامة بجلال النغم الرهيب، ثم ينتقل بسلاسة مذهلة إلى آيات النعيم والرحمة بنبرة تفيض رقة وحناناً، حتى كأن الصوت مترجم فوري لمراد الله ومشاعر الآيات.

يتميز هذا المصحف بثراء نغمي لا نظير له في عالم الترتيل؛ فالشيخ يتنقل بين النغمات والطبقات الصوتية المتعددة بسلاسة وفطرة نادرة، مما يطرد السآمة عن أذن المستمع مهما طالت مدة الاستماع. إنه يوظف كل مقام صوتي ليكون خادماً مخلصاً للمعنى، فصار ترتيله مدرسة قائمة بذاتها تجمع بين دقة الأحكام وجمال النغم الخاشع.

على عكس تلاواته المحفلية الشهيرة بالارتجال والتنقل الواسع بين الطبقات، جاء مصحفه المرتل مغلفاً برداء من الوقار والسكينة والهدوء. في هذا المصحف، ينحني الصوت بإجلال أمام جلال الكلمة الإلهية، فيأتي الأداء رزيناً، خاشعاً، ينساب كالنهر الهادئ الذي يغسل أدران القلوب ويأخذ بيد السامع إلى محراب الخلوة والتدبر واليقين.

About The Author