كتب- محمد رأفت فرج
تحول الاجتماع السنوي لمجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الإسلامي”، الذي انعقد يومي 15 و16 مايو 2026 في مدينة قازان عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، إلى منصة سياسية وفكرية تجاوزت بكثير الإطار التقليدي للحوار الاقتصادي أو الثقافي، كاشفًا عن حجم التباينات داخل الفضاء الدولي والإسلامي بشأن مفاهيم الأمن والسيادة والتنمية، وحدود استخدام المنابر متعددة الأطراف في تمرير السرديات السياسية المتعارضة.
فالاجتماع، المنعقد ضمن فعاليات منتدى قازان الدولي 2026 تحت عنوان “الشراكة الأوراسية الكبرى: استراتيجية التنمية”، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها رهانات الاقتصاد مع التهديدات الأمنية، وتصبح فيها قضايا الطاقة والممرات البحرية واستقرار الدول جزءًا من صلب النقاش الدولي، لا مجرد ملفات جانبية.
تأسست مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الإسلامي” عام 2006 عقب حصول روسيا على صفة مراقب في منظمة التعاون الإسلامي، لتكون إطارًا للحوار والتقارب بين موسكو والعالم الإسلامي، قبل أن تتحول تدريجيًا، تحت رعاية رستم مينيخانوف، رئيس جمهورية تتارستان، إلى منصة متعددة الأبعاد تستقطب شخصيات سياسية ودينية واقتصادية وفكرية من مختلف الدول الإسلامية.
غير أن دورة هذا العام حملت اختبارًا مختلفًا؛ إذ لم يكن السؤال الأساسي عن حجم الاستثمارات أو فرص التعاون الاقتصادي، بل عن طبيعة الشراكة نفسها، وما إذا كان بالإمكان الحديث عن فضاء تنموي مستقر بينما تتعرض دول المنطقة لتهديدات مباشرة تستهدف أمنها ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية.
وفي هذا السياق، برز الحضور الإيراني بوصفه أحد أكثر المشاركات السياسية دلالة، ليس لقوة الطرح، بل لطبيعة الرسالة التي أرادت طهران إيصالها عبر اختيار ممثلها.
حجة الإسلام محمد مهدي إيماني بور: إيران تدفع بذراعها الثقافي–الديني لتسويق خطابها السياسي
اختارت إيران أن تمثل نفسها في هذا الاجتماع عبر حجة الإسلام محمد مهدي إيماني بور، رئيس منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية ونائب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيراني، وهو اختيار لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا.
فإيماني بور ليس باحثًا أكاديميًا مستقلًا، ولا شخصية حوارية تقليدية، بل رجل دين حوزوي يحمل رتبة “حجة الإسلام”، ويقود إحدى أكثر المؤسسات التصاقًا بالبنية الرسمية للدولة الإيرانية.

ومنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية ليست مجرد مؤسسة ثقافية، بل الذراع الأساسية للدبلوماسية الثقافية والدينية الإيرانية، التابعة مباشرة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، والمسؤولة عن إدارة الملحقيات الثقافية الإيرانية، والمراكز الخارجية، وبرامج الحوار الديني والفكري، وصياغة الصورة الخارجية للرواية الإيرانية.
وفي السياق الإيراني، تمثل هذه المؤسسة أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدولة المرتبطة بمنظومة ولاية الفقيه، بما يجعل مشاركتها في منصة كهذه أقرب إلى تمثيل سياسي–دعائي مغلف بواجهة ثقافية.
وتزداد دلالة هذا الاختيار حين يُقارن بالنمط الإيراني المعتاد في المحافل الإسلامية المشابهة، حيث كانت طهران غالبًا تدفع بممثلين عن المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بقيادة الشيخ حميد شهرياري، الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وهي المؤسسة التي تقدم نفسها كواجهة للحوار الإسلامي–الإسلامي والوحدة المذهبية.
أما الانتقال هذه المرة إلى منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، فيعكس انتقالًا من خطاب التقريب إلى خطاب تعبئة سياسية أوسع، عبر مؤسسة تتقن توظيف الأدوات الثقافية والدينية في تمرير الرسائل السياسية.
وجاءت المداخلة الإيرانية منسجمة مع هذا التوجه، حيث أعادت تقديم السردية الرسمية الإيرانية بشأن الأزمة الإقليمية، عبر تصوير إيران كطرف يتعرض للاستهداف، مع توظيف القضية الفلسطينية، ومفردات الهيمنة الغربية، والخطاب الهوياتي، في محاولة لإعادة صياغة المشهد بما يخدم الرؤية الإيرانية.
لكن اللافت أن هذه المقاربة تجاهلت بالكامل السياق الأوسع المتعلق بالاعتداءات التي طالت دول الخليج، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، وكأن الأمن الإقليمي لا يُقاس إلا من زاوية سردية واحدة.
في المقابل، قدمت الإمارات خطابًا مغايرًا يقوم على وضوح الدولة ومسؤولية الفاعل الدولي.

الدكتور خليفة المبارك، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية: الإمارات تبني الاستقرار بالفعل الإنساني وتحمي الأمن برؤية الدولة
قدّم الدكتور خليفة المبارك، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، طرحًا إماراتيًا متماسكًا يقوم على فلسفة الدولة الحديثة، التي تربط الحضور الدولي بالفعل المسؤول، لا بالخطاب الدعائي.
وأكد أن دولة الإمارات العربية المتحدة استطاعت أن تقدم نموذجًا عالميًا متقدمًا في العمل الإنساني والإغاثي، حيث لم تجعل من الأزمات منصات للخطابة، بل ساحات للفعل العملي المسؤول.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المساعدات الإماراتية المقدمة إلى قطاع غزة شكّلت نحو نصف إجمالي المساعدات الدولية الواصلة إلى القطاع، بما يعكس التزامًا إماراتيًا ثابتًا بدعم المدنيين، والتخفيف من المعاناة الإنسانية، بعيدًا عن الاستثمار السياسي في المآسي.
كما شدد على أن الإمارات كانت من أوائل الدول التي أدركت خطورة الجماعات المتطرفة والتنظيمات التي توظف الدين لتحقيق أهداف جيوسياسية، وهو ما دفعها إلى بناء نموذج واضح يقوم على حماية الدين من التسييس، وصيانة المجتمع من التطرف الفكري، وترسيخ خطاب الاعتدال، واحترام الدولة الوطنية بوصفها الإطار الشرعي للاستقرار.
وفي البعد السياسي، جاء الموقف الإماراتي حاسمًا في إدانة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولة الإمارات ودول الخليج، وما رافقها من استهداف مباشر للبنى التحتية المدنية، وخطوط الطاقة، والموانئ، وأمن الملاحة البحرية.
كما حذر من أن التلويح بإغلاق مضيق هرمز ليس مجرد ورقة ضغط إقليمية، بل تهديد مباشر للتجارة العالمية وأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي الدولي.
الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة: استهداف الدول الآمنة والمنشآت المدنية إرهاب يهدد السلم والأمن الدوليين
قدّم الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، مقاربة استراتيجية تجاوزت السجالات السياسية المباشرة، لتعيد تعريف معنى الشراكة نفسها في هذا الفضاء.
فقد أكد أن الحديث عن الشراكة الأوراسية الكبرى لا يمكن أن يبقى محصورًا في الاقتصاد والاستثمار والممرات التجارية، بينما تتعرض دول مستقرة لاعتداءات تستهدف أمنها وسيادتها.

وأوضح أن العالم لا يعيش فقط أزمة تنافس جيوسياسي، بل أزمة معايير خطيرة، حين تتحول الصواريخ إلى لغة تفاوض، وتصبح المدن والمنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية أهدافًا مشروعة في منطق بعض الفاعلين.
وفي توصيف مباشر وحاسم، اعتبر أن الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج لا يمكن وصفها بوصف سياسي مخفف، لأنها تمثل سلوكًا إرهابيًا يستهدف الدول الآمنة، ويضرب المنشآت المدنية، ويهدد الممرات البحرية، ويعرض أمن الطاقة العالمي للخطر، بما يجعله تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين.
وشدد على أن التردد في تسمية الأشياء بأسمائها لا يساهم في صناعة الحلول، بل يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والارتباك الاستراتيجي.
وأوضح أن الخليج العربي ليس هامشًا في الجغرافيا السياسية، بل مركزًا حيويًا في معادلة الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى موقعه في:
* أمن الطاقة
* التجارة الدولية
* الممرات البحرية
* الاستقرار المالي العالمي
ومن ثم، فإن أي استهداف له لا يمثل أزمة إقليمية محدودة، بل تهديدًا للنظام الاقتصادي العالمي بأسره.
كما وسّع بشاري إطار التحليل إلى البعد الفكري والسيادي، محذرًا من المشاريع العابرة للحدود التي تعيد تعريف الولاءات خارج إطار الدولة الوطنية، وتنتج مساحات رمادية بين الدولة والفاعل الموازي، بما يهدد مفهوم السيادة الحديثة نفسه.
وأكد أن الخطر لا يكمن فقط في الصاروخ الذي يُطلق، بل في الفكرة التي تمنحه شرعية، وفي المشروع الذي يرى في الجوار ساحة نفوذ لا فضاء احترام متبادل.
وفي هذا الإطار، أعاد طرح المعادلة المركزية للشراكة الدولية:
لا شراكة بلا أمن، ولا أمن بلا سيادة، ولا تنمية في بيئة تصبح فيها الدول رهينة للتهديد أو الابتزاز.
وبهذا المعنى، لم يكن اجتماع قازان مجرد ملتقى حواري حول التنمية أو الاقتصاد، بل لحظة اختبار حقيقية لمعنى الشراكة نفسها: هل هي شراكة تبني الاستقرار وتحترم الدولة، أم منصة تمنح بعض الأطراف فرصة إعادة تدوير خطابها السياسي تحت عناوين ثقافية ودينية؟

المزيد من القصص
الصين تؤكد أهمية حرية الملاحة في مضيق هرمز وتدعو لعلاقات مستقرة مع واشنطن
وزير الأوقاف يقرر تعيين نجوم دولة التلاوة بالمساجد الكبرى والمقارئ النموذجية
الأرصاد الجوية تطلق تحذيرًا عاجلًا من موجة شديدة الحرارة تضرب أنحاء البلاد