يرحل بعض الناس فتغيب أجسادهم، لكن تبقى آثارهم حاضرة في الكلمات والمواقف والوجوه التي صنعوها بأيديهم، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ هشام خالد مدير معهد شبرا الخيمة الأزهري، الذي رحل مطلع هذا الأسبوع بعد رحلة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي والتربوي، تاركًا خلفه سيرة طيبة ومحبة صادقة في قلوب كل من عرفه وتتلمذ على يديه.
ولم يكن الشيخ هشام خالد مجرد مدير لمعهد أزهري يؤدي عمله الإداري، بل كان صاحب رسالة حقيقية، يؤمن بأن صناعة الإنسان أهم من أي منصب، وأن الكلمة الطيبة قادرة على تغيير النفوس وبناء الأجيال. كان قريبًا من طلابه ومحبيه، يتابعهم بعين المربي، ويمنحهم من وقته وخبرته ما يجعلهم أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على حمل رسالة الأزهر الشريف.
ويمثل الشيخ هشام خالد امتدادًا أصيلًا لمدرسة الدعوة والعلم الأزهري العريقة في شبرا الخيمة وضواحيها، تلك المدرسة التي أسهمت عبر عقود طويلة في تأسيس المعاهد الدينية ونشر رسالة الأزهر الشريف بين الناس. فقد نشأ رحمه الله في بيت علم ودعوة، فوالده هو الشيخ محمد خالد فتح الله، أحد الرموز التي كان لها دور بارز في خدمة التعليم الأزهري وبناء المعاهد الدينية، كما سار على النهج ذاته عمه الشيخ عبد الله خالد، الذي عُرف بجهوده الدعوية والتربوية في المنطقة. ومن هذا الإرث العلمي الكبير تشكلت شخصية الشيخ هشام خالد، فحمل الأمانة بإخلاص، وواصل مسيرة العطاء والتربية والدعوة، محافظًا على روح المدرسة الأزهرية القائمة على العلم والوسطية وخدمة المجتمع.

وعلى المستوى الشخصي، كان للراحل الكريم أثر بالغ في حياتي الدعوية؛ فهو أول من منحني فرصة الصعود إلى المنبر، وأول من رأى فيّ القدرة على الخطابة قبل أن أراها أنا في نفسي. لم يكتفِ بالتشجيع بالكلمات، بل كان يدفعنا دائمًا إلى الاجتهاد والتعلّم وتحمل المسؤولية، مؤمنًا بأن الدعوة تحتاج إلى إعداد وصبر وإخلاص.
كان الشيخ هشام خالد مدرسة في الدعم النفسي والتربوي، يعرف كيف يصنع الثقة في نفوس الشباب، وكيف يحوّل التردد إلى قوة، والخوف إلى شجاعة. كم من مرة وقف مشجعًا وموجهًا، يصحح الأخطاء بابتسامة الأب، ويزرع الحماس بكلمة صادقة لا تُنسى. لذلك لم يكن تأثيره مقتصرًا على قاعات الدراسة أو ساحات المعهد، بل امتد إلى المنابر والمساجد والقلوب التي حملت أثره الطيب أينما ذهبت.
وكان للشيخ هشام خالد جانب روحاني خاص، تجلّى في صوته الشجي الخاشع الذي طالما لامس القلوب في الابتهالات الدينية ومدائح النبي صلى الله عليه وسلم. فما إن يبدأ في ترديد كلمات الحب النبوي والذكر حتى يخيم السكون على المكان، وتتحرك المشاعر في صدور الحاضرين. امتلك رحمه الله صوتًا صادقًا يحمل من الخشوع والبكاء بقدر ما يحمل من المحبة والإيمان، فكان إذا ابتهل شعر من يستمع إليه بصدق الحالة وروحانية اللحظة. ولم تكن مدائحه مجرد أداء صوتي، بل كانت حالة إيمانية خالصة تعبّر عن تعلقه الشديد برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ارتبط صوته في ذاكرة محبيه بالمناسبات الدينية والليالي المباركة التي كان يملؤها نورًا وطمأنينة.
وامتاز الراحل الكريم بدماثة الخلق وحسن المعاملة، فكان محبوبًا بين زملائه وطلابه وأبناء مجتمعه. عرفه الجميع هادئًا متواضعًا، لا يبحث عن الأضواء، لكنه يترك أثرًا واضحًا في كل مكان يوجد فيه. وكان حريصًا على غرس القيم الأزهرية الأصيلة؛ قيم الوسطية والرحمة والعلم النافع، فاستحق مكانة خاصة في نفوس من تعاملوا معه.
ورغم أن الموت سنة ماضية لا ينجو منها أحد، فإن رحيل أصحاب الأثر يترك فراغًا كبيرًا يصعب تعويضه. فالشيخ هشام خالد لم يكن شخصًا عابرًا في حياة تلاميذه، بل كان نقطة تحول في حياة كثيرين، فتح لهم أبواب العلم والدعوة، وأخذ بأيديهم نحو طريق الخير والكلمة الطيبة.
إن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا المناصب، وإنما الأثر الطيب والسيرة الحسنة والدعوات الصادقة من القلوب التي أحبته. وقد كان الشيخ هشام خالد واحدًا من هؤلاء الذين عاشوا للناس، فأحبهم الناس ودعوا لهم بصدق بعد الرحيل.
رحم الله فضيلة الشيخ هشام خالد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من علم ودعوة وتربية في ميزان حسناته، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه الصبر والسلوان. وستظل ذكراه باقية في القلوب، وسيبقى صوته ونصائحه وتشجيعه حيًّا في ذاكرة كل من وقف يومًا على منبر بفضل كلمة دعم قالها له هذا المربي الفاضل.

المزيد من القصص
محمد رأفت فرج يكتب هذه هي باسوس إن كنتم لا تعلمون!
محمد رأفت فرج يكتب: «حين يكون الوداع قرآنًا.. الشيخ الخشت يجسّد الوفاء في نعي الصاوي»
الدكتورة هدى درويش أيقونة التسامح والحوار بين الأديان في ذمة الله