12 أبريل، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

د. هبة عبد العظيم تكتب: دور الدراما في تحسين صورة الطبيب النفسي ودعم الوقاية من الانتحار

في كل مرة يهتز فيها الرأي العام على وقع فقدان شاب أو شابة بسبب أزمة نفسية، يتجدد السؤال المؤلم: هل كان يمكن إنقاذه لو وُجد الدعم الكافي في الوقت المناسب؟ هذه الوقائع، التي تتكرر بين الحين والآخر، لا تكشف فقط عن حجم الضغوط التي يواجهها الشباب، بل تسلط الضوء أيضًا على فجوة الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، ودور الطبيب النفسي الذي لا يزال محاطًا بالكثير من الصور النمطية الخاطئة.

تلعب الدراما دورًا محوريًا في تشكيل وعي المجتمعات، إذ لا تقتصر وظيفتها على الترفيه فقط، بل تمتد لتصبح أداة مؤثرة في إعادة صياغة المفاهيم الاجتماعية وتصحيح الصور الذهنية الخاطئة. ومن بين القضايا التي باتت تحتاج إلى هذا الدور بوضوح، قضية الصحة النفسية، وخاصة صورة الطبيب النفسي، التي لا تزال في كثير من الأعمال الدرامية مرتبطة بالغرابة أو التهويل أو حتى السخرية، وهو ما ينعكس سلبًا على استعداد الأفراد لطلب المساعدة في الوقت المناسب.

لقد ساهمت بعض الأعمال الدرامية القديمة في ترسيخ صورة نمطية غير دقيقة للطبيب النفسي، حيث تم تقديمه أحيانًا كشخص غامض أو متسلط، أو كملجأ أخير لمن يعانون من اضطرابات شديدة فقط، هذه الصورة أدت إلى خلق حاجز نفسي لدى الجمهور، خاصة الشباب، وجعلت اللجوء إلى العلاج النفسي أمرًا محفوفًا بالخجل أو الوصمة الاجتماعية، وفي ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري إعادة توظيف الدراما كقوة إيجابية قادرة على تصحيح هذا المسار.

الدراما الحديثة، عندما تُقدَّم بشكل واعٍ، تستطيع أن تُظهر الطبيب النفسي كشريك داعم في رحلة التعافي، وليس كرمز للخطر أو الضعف، عرض قصص إنسانية واقعية لشخصيات تمر بأزمات نفسية وتلجأ للعلاج، ثم تتحسن تدريجيًا، يساهم في تطبيع فكرة طلب المساعدة، ويعزز الثقة في جدوى العلاج النفسي، كما أن تقديم الطبيب النفسي بصورة مهنية وإنسانية، يُظهر مهاراته في الاستماع والتفهم، يساعد على كسر الحواجز النفسية لدى المشاهدين.

ولا يقتصر دور الدراما على تحسين الصورة فقط، بل يمتد إلى نشر الوعي بأساسيات الصحة النفسية، مثل أهمية التعبير عن المشاعر، وطلب الدعم، وعدم تجاهل الضغوط، هذه الرسائل، عندما تُدمج داخل سياق درامي جذاب، تصل إلى الجمهور بشكل أعمق وأكثر تأثيرًا من الحملات التوعوية التقليدية، ومع تكرار هذه النماذج الإيجابية، يبدأ التغيير التدريجي في نظرة المجتمع، ويصبح الحديث عن الصحة النفسية أمرًا طبيعيًا.

إن تحسين صورة الطبيب النفسي عبر الدراما يمكن أن يكون له أثر غير مباشر في تقليل حالات الانتحار، من خلال تشجيع الأفراد الذين يعانون من ضغوط نفسية أو أفكار سلبية على طلب المساعدة بدلًا من الانعزال، فكلما شعر الإنسان أن هناك دعمًا متاحًا وأن اللجوء إلى متخصص أمر طبيعي، زادت فرص التدخل المبكر وتجنب تفاقم الأزمات، وهنا تظهر أهمية المسؤولية التي تقع على عاتق صناع الدراما في تناول هذه القضايا بحساسية ووعي، بعيدًا عن المبالغة أو التشويه.

في المقابل، يتطلب هذا الدور تعاونًا بين كتاب السيناريو والمتخصصين في الصحة النفسية، لضمان دقة الطرح وتقديم نماذج واقعية، كما يمكن الاستفادة من قصص النجاح الحقيقية، التي تُظهر كيف يمكن للعلاج النفسي أن يُحدث فارقًا في حياة الأفراد، ما يعزز الأمل ويقدم بدائل إيجابية للتعامل مع الأزمات.

في النهاية، تظل الدراما وسيلة قوية لتغيير السلوكيات والمفاهيم، وإذا ما استُخدمت بشكل مسؤول، يمكن أن تسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتقبلًا لفكرة العلاج النفسي، وتفتح الباب أمام من يحتاجون للمساعدة لطلبها دون خوف أو تردد، وهو ما يشكل خطوة مهمة نحو حماية الأرواح وتعزيز الصحة النفسية للجميع.

About The Author