ما حدث أمس في امتحان اللغة العربية أعاد إلى الواجهة حقيقة طالما تحدثنا عنها منذ سنوات، وهي أن التعليم الإلكتروني، رغم أهميته، لا يصلح أن يكون البديل الأساسي للتعليم المباشر.
لقد فرضت جائحة كورونا نموذج التعليم عن بُعد باعتباره حلًا استثنائيًا لحماية الطلاب واستمرار العملية التعليمية، لكنه كان إجراءً فرضته الظروف، وليس نموذجًا يمكن تعميمه في كل وقت وعلى جميع الطلاب.
صحيح أن هناك فئة محدودة من الطلاب تستطيع تحقيق نتائج متميزة من خلال التعلم الإلكتروني، لكنها تمتلك في الأساس قدرًا كبيرًا من الانضباط الذاتي والالتزام. أما الغالبية العظمى، فهي تحتاج إلى وجود المعلم داخل الفصل، وإلى التفاعل المباشر، والمتابعة المستمرة، والمناقشة الفورية التي تصنع الفارق الحقيقي في الفهم والاستيعاب.
وما يثير الدهشة أيضًا هو انتشار المراجعات والبثوث المباشرة التي تمتد إلى ثماني وعشر ساعات، وكأن طول مدة الشرح أصبح معيارًا لجودة التعليم. والحقيقة أن كثرة الساعات لا تعني بالضرورة جودة التعلم، بل قد تؤدي إلى إرهاق الطالب وتشتيت انتباهه وفقدان تركيزه.
فالقضية ليست في عدد الساعات التي يقضيها الطالب أمام الشاشة، وإنما في مقدار ما فهمه، وما اكتسبه من مهارات، وقدرته على توظيف ما تعلمه في حل الأسئلة والمواقف المختلفة.
إن التعليم الحقيقي لا يُقاس بعدد الفيديوهات أو ساعات البث المباشر، وإنما بجودة المحتوى، وحسن تنظيم المنهج، وكفاءة المعلم، والتفاعل الإيجابي مع الطلاب، والمتابعة الدقيقة لمستوى كل طالب.
لذلك سيظل التعليم الإلكتروني وسيلة داعمة ومكملة للعملية التعليمية، لكنه لن يكون بديلًا كاملًا للتعليم المباشر مع معظم الطلاب. فالطالب لا يحتاج إلى عشر ساعات من المراجعة، بقدر ما يحتاج إلى شرح واضح، ومنهج منظم، ومعلم يمتلك القدرة على إيصال المعلومة بأبسط طريق وأقصر وقت.
هذه هي المعادلة التي تصنع التعلم الحقيقي، وتبني طالبًا قادرًا على الفهم، لا مجرد قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة.

المزيد من القصص
د. وسام البحيري يكتب: من مدرسة الحصري إلى آفاق مصطفى إسماعيل.. رحلة الترتيل بين التعليم والإبداع
د. هبة عبد العظيم تكتب: المسلسلات العمودية.. ثورة صينية تعيد تشكيل صناعة الترفيه عالمياً
د. هبة عبد العظيم تكتب: دور الدراما في تحسين صورة الطبيب النفسي ودعم الوقاية من الانتحار