18 أغسطس، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

محمد رأفت فرج يكتب: أهل القرآن وقت الشدة.. الوفاء الذي لا ينبغي أن يغيب

هناك فرق كبير بين أن نحتفي بأهل القرآن عندما تكون أصواتهم قوية، وحضورهم لافتًا، وتكريمهم مناسبة يلتف حولها الجميع، وبين أن نتذكرهم عندما يمرون بظرف صحي أو إنساني يحتاجون فيه إلى من يسأل عنهم ويشد من أزرهم. ففي أوقات المحن تظهر حقيقة الوفاء، ويعرف الإنسان من بقي إلى جواره عندما احتاج إلى الآخرين.

منذ شهر تقريبا كنت في زيارة لفضيلة القارئ الإذاعي الشيخ مختار جمعة، في منزله بمنطقة مهمشة، بصحبة صديقي العزيز الاستاذ عماد بكر أبو جبل بناء على تكليف من احد اسيادنا لتوصيل أمانة له، في ظروفه المرضية، فلم اجده إلا صابرًامحتسبًا رغم ما يمر به، وشكى أن أحدًا لا يسأل عليه من زملاءه القراء إلا قليلًا، فتعجبت متسائلًا أين ذهب الوفاء بين اهل القرآن، وأين من يتقاضون عشرات الآلاف في الليالي والمآتم من زميلهم؟!

ومن هذا المنطلق، تثير الحالة الصحية التي يمر بها فضيلة القارئ الإذاعي الكبير الشيخ جمعة مختار حامد مشاعر الحزن والأسى، بعدما اضطر إلى الخضوع لعملية جراحية نتيجة مضاعفات مرض السكري، في وقت يحتاج فيه إلى الدعاء والرعاية والمساندة، بعدما أثرت ظروف المرض في حياته وقدرته على مواصلة ما اعتاد أن يقدمه طوال سنوات عمره.

والشيخ جمعة مختار حامد ليس مجرد اسم في سجل القراء، وإنما واحد من أبناء مدرسة قرآنية قدمت الكثير للمجتمع، وارتبط صوتها بكتاب الله في بيوت المصريين، وأصبحت التلاوة بالنسبة إلى أجيال كثيرة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. ولذلك فإن السؤال عن حاله والوقوف إلى جواره ليس من قبيل المجاملة، وإنما هو صورة من صور الوفاء لمن خدم كتاب الله وأفنى عمره في تلاوته.

صورة أثناء الزيارة المنزلية في بيت فضيلة الشيخ

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات والهيئات المعنية بأهل القرآن، وكذلك مسؤولية كبار القراء وأهل الخير وكل قادر على تقديم الدعم. فالرعاية الحقيقية لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الأزمة، ولا أن تقتصر على لحظات التكريم والاحتفاء، وإنما يجب أن تكون مستمرة، بحيث يشعر القارئ أنه ليس وحده عندما يتقدم به العمر أو يشتد عليه المرض أو تتغير ظروف حياته.

إن الحديث عن هذا الأمر لا يعني توجيه اتهام إلى جهة بعينها، ولا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات أو انتقاد لأشخاص، وإنما هو تذكير بأهمية وجود منظومة واضحة لرعاية كبار القراء وأهل القرآن، خاصة من أفنوا سنوات طويلة في خدمة كتاب الله، وأصبحوا في مرحلة عمرية وصحية تستوجب المزيد من الاهتمام.

والمجتمع المصري عرف دائمًا بقدرته على التكافل، وبوقوف أبنائه إلى جوار من يمرون بالأزمات. لذلك فإن محنة أي واحد من أهل القرآن يجب أن تحرك مشاعر أهل الخير، وأن تدفع القادرين إلى المبادرة بالسؤال والمساعدة، كلٌّ حسب استطاعته. فالخير لا يحتاج إلى ضجيج، ولا يشترط أن يعرف الناس من قدمه، وإنما تكفي النية الصادقة والرغبة في تخفيف معاناة إنسان.

كما أن ما يمر به الشيخ جمعة حامد يفتح الباب أمام قضية أوسع: كيف نرعى أصحاب العطاء بعد أن تنحسر عنهم الأضواء؟ وهل لدينا آليات حقيقية للاطمئنان على كبار القراء وأسرهم؟ وهل توجد قاعدة بيانات دقيقة بأوضاعهم الصحية والاجتماعية حتى يمكن التدخل سريعًا عند الحاجة؟

هذه الأسئلة تستحق إجابات عملية، لأن الوفاء لأهل القرآن يجب أن يتحول من مشاعر مؤقتة إلى عمل مؤسسي مستمر. ومن المهم أن تكون هناك آلية للتواصل معهم، وتقديم الدعم للحالات الأكثر احتياجًا، والتنسيق بين المؤسسات والنقابات وأهل الخير حتى لا يجد أحد هؤلاء الرموز نفسه أمام محنته دون سند.

وفي النهاية، فإن المرض ابتلاء قد يمر به أي إنسان، لكن طريقة تعامل المجتمع مع المريض تكشف الكثير عن قيمه وأخلاقه. والوقوف إلى جوار أهل القرآن في أوقات ضعفهم ليس فضلًا منهم، وإنما هو واجب إنساني وأخلاقي تجاه أصحاب مسيرة طويلة من العطاء.

نسأل الله أن يمنّ على فضيلة الشيخ جمعة مختار حامد بالشفاء العاجل، وأن يرفع عنه البلاء، ويخفف عنه الألم، ويكتب له تمام العافية. كما ندعو كل من يستطيع أن يمد إليه يد العون ألا يتأخر، وأن تكون هذه المحنة بداية لاهتمام أكبر ومستمر بكل أهل القرآن الذين يحتاجون، بعد سنوات العطاء، إلى من يرد لهم شيئًا من الوفاء.

فالقرآن جمعنا على الخير، وأهل القرآن أولى بأن يجدوا الخير من حولهم حين تشتد بهم الحياة.

About The Author