4 أغسطس، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

دينا يحيى تكتب: حين يتحول الهواء إلى سلعة.. لماذا يُعد قرار الأعلى للإعلام ضرورة لإنقاذ الشاشة المصرية؟

لم يعد الحديث عن “بيع الهواء” مجرد تعبير مجازي يردده العاملون في الوسط الإعلامي، بل أصبح عنوانًا لأزمة حقيقية تهدد مستقبل الإعلام المصري، بعدما تحولت بعض الشاشات إلى مساحات تُدار بمنطق الصفقات التجارية أكثر من إدارتها وفق معايير المهنية والرسالة الإعلامية. ومن هنا، جاء قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمراجعة عقود الإنتاج في القنوات الخاصة، استجابةً لما تردد من شكاوى حول ممارسات تتعلق ببيع ساعات البث أو إدارتها بعيدًا عن الضوابط المهنية، ليؤكد أن الدولة عازمة على إعادة الانضباط إلى المشهد الإعلامي.

القرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره تدخلًا في حرية الإعلام، وإنما باعتباره خطوة تنظيمية لحماية هذه الحرية من أن تتحول إلى فوضى. فحرية الإعلام لا تعني أبدًا أن تصبح الشاشة معروضة للبيع لمن يدفع أكثر، أو أن تتحكم الاعتبارات التجارية وحدها في اختيار من يظهر على الهواء وما يُطرح من محتوى.

لقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور ظاهرة “الهواء المباع”، حيث حصل بعض المنتجين أو الشركات على ساعات بث كاملة داخل قنوات فضائية، ثم أعادوا تسويقها لبرامج ومقدمي محتوى مقابل مبالغ مالية، دون أن تكون للقناة رقابة حقيقية على جودة المحتوى أو هوية الممولين أو الأهداف الكامنة وراء بعض الرسائل الإعلامية. ومع مرور الوقت، انعكس ذلك على مستوى المهنة، فتراجعت معايير الاختيار، وغابت المهنية في بعض البرامج، وأصبح المال في أحيان كثيرة هو المعيار الأول للظهور على الشاشة.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات أوجدت حالة من المنافسة غير العادلة داخل الوسط الإعلامي، حيث وجد إعلاميون مهنيون أنفسهم خارج الشاشة، بينما تصدرها آخرون لأنهم امتلكوا القدرة على شراء الوقت أو تمويل البرامج، وليس بالضرورة لأنهم الأكثر كفاءة أو تأثيرًا. وهنا تصبح الشاشة بعيدة عن دورها الحقيقي في صناعة الوعي، وتتحول إلى منصة لمن يستطيع الدفع.

إن مراجعة عقود الإنتاج تمثل رسالة واضحة بأن زمن إدارة الإعلام في الغرف المغلقة قد انتهى، وأن كل التعاقدات التي ترتبط بحق الجمهور في معرفة الحقيقة يجب أن تكون خاضعة للشفافية والرقابة. فمن حق الدولة، بل من واجبها، أن تعرف من يدير المحتوى الإعلامي، ومن يموله، وما طبيعة العلاقة بين القناة والمنتج، حتى لا تتحول بعض المنصات إلى أدوات تخدم مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.

كما أن القرار يحقق قدرًا مهمًا من العدالة داخل السوق الإعلامية. فالقنوات التي تلتزم بالضوابط المهنية والقانونية لا يجوز أن تنافسها كيانات تعتمد على بيع ساعات البث دون التزام بالمعايير نفسها. ولا يمكن الحديث عن سوق إعلامية صحية إذا كانت قواعد المنافسة غير متكافئة.

ولا يخفى على أحد أن الإعلام أصبح أحد أهم أدوات تشكيل الرأي العام، وبالتالي فإن أي خلل في منظومة إدارته لا يقتصر أثره على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. فبرنامج غير مهني، أو معلومة غير دقيقة، أو خطاب يفتقر إلى المسؤولية، قد يصنع أزمة رأي عام أو يثير البلبلة أو يضر بصورة مؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإن مراجعة العقود ليست إجراءً إداريًا بحتًا، وإنما خطوة لحماية الأمن الإعلامي للدولة. فالدول الكبرى تفرض قواعد صارمة على ملكية وسائل الإعلام، ومصادر تمويلها، والعلاقات التعاقدية التي تؤثر في المحتوى، إدراكًا منها أن الإعلام ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل مرفق يرتبط بالأمن الثقافي والفكري للمجتمع.

لكن نجاح القرار لن يتحقق بالمراجعة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بإعلان نتائج هذه المراجعات بشفافية، ووضع ضوابط واضحة لعقود الإنتاج، ومنع أي ممارسات تتيح الالتفاف على القانون، مع توقيع عقوبات رادعة على كل من يثبت تورطه في استغلال الشاشات لتحقيق مصالح شخصية أو تجارية على حساب الرسالة الإعلامية.

وفي المقابل، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون فرصة لدعم الإعلام المهني الحقيقي، وتشجيع المؤسسات التي تستثمر في المحتوى الجاد، وتطوير الكوادر الإعلامية، والاعتماد على الكفاءة والخبرة بدلاً من القدرة على التمويل. فالشاشة المصرية تمتلك تاريخًا عريقًا، ولا تستحق أن تصبح مجرد مساحة إعلانية مفتوحة لمن يملك المال.

لقد أثبتت التجارب أن الإعلام القوي لا يُبنى بالصفقات، وإنما بالثقة. والثقة لا تُشترى، بل تُكتسب عبر سنوات من الالتزام بالمهنية والموضوعية واحترام عقل الجمهور. وإذا كانت هناك تجاوزات قد حدثت تحت مظلة “بيع الهواء”، فإن التصدي لها اليوم ليس استهدافًا لأحد، وإنما دفاع عن مستقبل الإعلام المصري وحق المواطن في إعلام مسؤول.

إن قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يأتي في توقيت بالغ الأهمية، ويعكس إدراكًا بأن إصلاح الإعلام يبدأ من تنظيم بنيته الاقتصادية والإدارية قبل تطوير محتواه. فحين تُغلق أبواب الفوضى، وتُراجع العقود، وتُعرف المسؤوليات، تعود الشاشة إلى دورها الطبيعي: منصة للتنوير، وصناعة الوعي، وخدمة الوطن، لا سوقًا تُباع فيه الدقائق والساعات لمن يدفع أكثر. وهذا هو الطريق الصحيح لاستعادة هيبة الإعلام المصري وثقة جمهوره، وترسيخ إعلام يحكمه القانون والمهنية، لا منطق “الهواء المباع”.

About The Author