في حياتنا أشياء كثيرة نتمنى حدوثها في وقت محدد، ونرسم لها مواعيد في خيالنا، ثم نفاجأ بأن الأيام تمضي دون أن تأتي كما أردنا. وقد نشعر أحيانًا أن أبوابًا أُغلقت في وجوهنا، وأن فرصًا انتظرناها طويلًا ابتعدت عنا، وأن أشخاصًا تمنينا بقاءهم أصبحوا جزءًا من الماضي. لكن الإنسان لا يرى دائمًا الصورة كاملة، ولا يعرف إلى أين تقوده الأحداث التي يظنها في لحظتها خسارة أو تأخيرًا.
الحياة لا تسير وفق رغباتنا وحدها، وربما كان الشيء الذي نراه تأخيرًا هو في الحقيقة حماية من قرار لم يكن مناسبًا لنا، وربما كان غياب فرصة معينة إفساحًا لمجال أفضل، وربما كان ابتعاد شخص عن حياتنا بداية لاكتشاف أنفسنا من جديد. لذلك فإن بعض التأخير قد يحمل في داخله ترتيبًا لا ندركه إلا بعد مرور الوقت. كم من أمر تمنيناه بشدة، ثم اكتشفنا بعد سنوات أننا كنا محظوظين لأنه لم يحدث، وكم من باب أغلقناه ونحن حزينون، ثم أدركنا لاحقًا أن وراءه أبوابًا أوسع وأكثر رحابة.
المشكلة أننا غالبًا نحاكم اللحظة وهي لم تكتمل بعد. نريد إجابات فورية، ونتائج سريعة، ونبحث عن تفسير لكل ما يحدث لنا الآن، بينما بعض الأشياء تحتاج إلى وقت حتى تتضح حكمتها. الإنسان بطبيعته يستعجل الوصول، لكنه قد ينسى أن الطريق نفسه يصنعه ويعلمه ويمنحه خبرات لا يمكن أن يحصل عليها دفعة واحدة.
وهنا يأتي الصبر، ليس بوصفه انتظارًا سلبيًا أو استسلامًا للواقع، وإنما باعتباره قدرة على مواصلة الحياة دون أن نفقد الأمل. الصبر أن نعمل ونسعى، ثم نتقبل أن النتائج ليست كلها بأيدينا. وأن نعرف أن خسارة شيء لا تعني بالضرورة نهاية الطريق، وأن عدم الحصول على ما أردناه لا يعني أننا لم نكن نستحق الأفضل.
ولعل أجمل ما يمنحه الإنسان لنفسه في أوقات الانتظار أن يتوقف عن مقارنة حياته بحياة الآخرين. فلكل إنسان توقيته الخاص، وظروفه المختلفة، وطريقه الذي لا يشبه طريق غيره. ما جاء إلى غيرك مبكرًا قد يأتي إليك في الوقت الذي تكون فيه أكثر استعدادًا له، وما يبدو نجاحًا سريعًا عند الآخرين قد يحمل وراءه أعباء لا تراها.
لذلك لا تجعل التأخير سببًا في اليأس، ولا تجعل الحرمان بابًا للقسوة على نفسك. امنح الأيام فرصة كي تكشف لك ما تخبئه، واستمر في السعي، وتعلم من التجارب، وتمسك بالأمل. فليست كل الأشياء الجميلة تصل في الموعد الذي نحدده نحن، وبعض أجمل التحولات تبدأ من لحظة ظننا فيها أن كل شيء قد انتهى.
اصبر، واسعَ، وارضَ بما لا تملك تغييره؛ فربما كان ما تأخر عنك يحمل خيرًا لم تكن تراه، وربما كان ما فقدته يمهد الطريق لما هو أجمل.

المزيد من القصص
د. هبة عبد العظيم تكتب: الفيمتو آرت.. حين تفتح السينما المصرية أبوابها للشباب وتصنع من الحلم واقعًا
دينا يحيى تكتب: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
د. عبد المنعم فؤاد يكتب: الغناء الهابط والتدني الاخلاقي