في خطوة تحمل دلالة علمية وفكرية عميقة، قامت مجلة الأزهر، الصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية، في عددها الماضي، بتوزيع كتاب «أهل القبلة كلهم موحدون» هدية لقرائها، وهو الكتاب الذي يحمل اسم الإمام المجدد والعلامة الرائد الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم، أحد أعلام الفكر الإسلامي، وأحد أصحاب الرؤية التجديدية التي جمعت بين أصالة التراث وضرورات الواقع، وبين عمق المعرفة ونبل المقصد.
ولم يكن اختيار هذا الكتاب مجرد اختيار عابر لعنوان يضاف إلى قائمة الإصدارات التي توزع مع المجلة، وإنما يبدو أقرب إلى رسالة فكرية تتجاوز صفحات الكتاب، لتلامس قضية من أكثر القضايا إلحاحًا في واقع الأمة الإسلامية اليوم؛ قضية العلاقة بين المسلمين، وحدود الاختلاف بينهم، ومتى يتحول التنوع في الرؤى والاجتهادات إلى خصومة، ومتى يصبح الخلاف بابًا من أبواب التنازع والفرقة.
إن توقيت توزيع الكتاب يضاعف من أهميته؛ فالأمة الإسلامية تعيش مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحديات الفكرية والاجتماعية والثقافية، وتتسع فيها أحيانًا دوائر الاستقطاب والتصنيف، حتى أصبح بعض الخلافات الفكرية والمذهبية يتجاوز حدود النقاش العلمي إلى إطلاق الأحكام والاتهامات، وكأن المختلف في الرأي قد أصبح خصمًا في الدين، أو أن التباين في الاجتهاد يستوجب القطيعة والعداء.
ومن هنا تأتي قيمة كتاب «أهل القبلة كلهم موحدون»، باعتباره كتابًا يضع يده على أصل جامع ينبغي ألا يغيب عن الوعي الإسلامي، وهو أن رابطة التوحيد والإسلام أوسع من مساحات الخلاف، وأن الاختلاف في بعض القضايا لا ينبغي أن يهدم أصل الأخوة بين المسلمين.
والحديث عن الكتاب لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن صاحبه، فالشيخ محمد زكي الدين إبراهيم لم يكن مجرد عالم يشتغل بالتأليف، وإنما كان واحدًا من أصحاب المشاريع الفكرية التي سعت إلى إعادة بناء الوعي الديني على أساس يجمع بين العلم والتربية، وبين التجديد والتمسك بالأصول، وبين استلهام تراث الأمة والانفتاح على أسئلة العصر.
كان صاحب قلم له خصوصيته، وعقل لا يتعامل مع التراث بوصفه مادة جامدة، وإنما باعتباره رصيدًا حيًا يمكن استثماره في مواجهة أسئلة الواقع. ولذلك جاءت كتاباته حاملة لروح العالم، ونَفَس المربي، وقلق المفكر الذي يدرك أن أخطر ما يواجه الأمة ليس الاختلاف في ذاته، وإنما تحول الاختلاف إلى قطيعة، والخلاف إلى خصومة، والتباين إلى وسيلة للتشكيك في الآخر وإقصائه.
وقد جمع الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم بين عمق المعرفة ورهافة الحس، وبين الاعتزاز بالتراث والوعي بتحديات الواقع، فكان من أولئك العلماء الذين أدركوا أن التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع الماضي، كما أن الأصالة لا تعني الانغلاق أمام المستقبل. فالتجديد عنده لم يكن مجرد تغيير في الألفاظ أو استحداث في المصطلحات، وإنما كان إحياءً للمعاني، وتجديدًا في طريقة النظر، وإعادة وصل الإنسان بمقاصد الدين وقيمه الكبرى.
ومن هنا استحق أن يوصف بأنه من قادة الفكر والرؤية، ومن العلماء المجددين الذين لم يجعلوا العلم حائطًا يفصلهم عن الناس، وإنما جعلوه جسرًا يصلهم بهم. فالعالم الحقيقي، في أرقى صوره، لا يزداد بالعلم قسوة على الناس، وإنما يزداد بصيرة بأحوالهم، وفهمًا لتعقيدات واقعهم، وحرصًا على جمع كلمتهم، وإدراكًا لمسؤولية الكلمة حين تصدر عن أهل العلم.
ويحمل عنوان الكتاب «أهل القبلة كلهم موحدون» دلالة واضحة ومباشرة، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبوابًا واسعة للتأمل؛ فالقضية ليست مجرد نقاش حول الاختلافات بين المدارس والمذاهب، وإنما هي محاولة لإعادة ترتيب الأولويات في الوعي الإسلامي، بحيث لا تطغى الجزئيات الخلافية على الأصول الجامعة، ولا تتحول مسائل الاجتهاد إلى جدران تفصل أبناء الأمة عن بعضهم بعضًا.
لقد عرف تاريخ المسلمين تنوعًا واسعًا في المدارس والاتجاهات والاجتهادات، وشهدت ساحات العلم مناظرات ومناقشات واختلافات في قضايا متعددة، غير أن ذلك التنوع لم يكن بالضرورة نقيضًا للوحدة. فالوحدة لا تعني أن تتطابق العقول في كل شيء، ولا أن تختفي مساحات الاجتهاد، وإنما تعني أن يعرف أبناء الأمة ما يجمعهم، وأن يحسنوا إدارة ما يختلفون فيه.
والمشكلة تبدأ حين ينتقل الخلاف من دائرة البحث العلمي إلى دائرة الإقصاء، وحين يتحول المختلف من شريك في أمة واحدة إلى شخص ينظر إليه بعين الشك والاتهام، وحين تصبح لغة الحوار أقل حضورًا من لغة الخصومة. وهنا تبرز أهمية الكتاب في تذكير القارئ بأن أدب الاختلاف جزء أصيل من أخلاق العلم، وأن العالم لا يحتاج إلى إلغاء المخالف حتى يثبت قوة رأيه، كما أن الدفاع عن الرأي لا يستوجب إسقاط الأخوة.
ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يبدو هذا الكتاب مناسبًا إلى هذا الحد للواقع الراهن؟ والإجابة تكمن في التحولات التي شهدها الخطاب الديني خلال العقود الأخيرة، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد من سرعة انتشار الأفكار، سواء كانت صحيحة أو مغلوطة، وأصبح الحكم على الآخرين في بعض الأحيان أسرع من فهم أقوالهم، وأصبح المقطع القصير قادرًا على اختزال قضية فكرية أو عقدية عميقة في ثوانٍ معدودة.
ومن هنا تصبح إعادة نشر الكتب التي تتناول قضايا الوحدة والاختلاف والتجديد ذات قيمة مضاعفة؛ لأنها تعيد الإنسان إلى ثقافة الكتاب والتأصيل والتفكير الهادئ، بدلًا من ثقافة الانفعال والتلقي السريع والأحكام الجاهزة.
وفي هذا السياق، تبدو مبادرة مجلة الأزهر ذات دلالة خاصة؛ فالمجلة لا تقدم للقارئ مادة معرفية فحسب، وإنما تسهم في اختيار ما يمكن أن يكون زادًا فكريًا وروحيًا له. فالكتاب هنا يصبح هدية فكرية، ورسالة تقول إن الأمة في حاجة إلى استعادة لغة تجمع ولا تفرق، وإلى علماء ومفكرين يضعون الخلاف في موضعه الطبيعي، ويعيدون الاعتبار إلى المشتركات الكبرى.
إن اختيار مجلة الأزهر لهذا الكتاب في هذا التوقيت يحمل رسالة تستحق التأمل؛ رسالة تؤكد أن مواجهة الانقسام لا تكون دائمًا بالشعارات، وإنما بالعلم والوعي وإحياء التراث الفكري الذي يحمل بذور الإصلاح. ويبقى الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم واحدًا من تلك القامات التي تستحق أن تُقرأ أعمالها بعيدًا عن الاختزال؛ عالمًا ومفكرًا ومجددًا، حمل همّ الأمة، وسعى إلى أن يجعل من الفكر وسيلة للبناء، ومن العلم طريقًا إلى التزكية، ومن الاختلاف بابًا للفهم لا ذريعة للخصومة.
وفي زمن تتكاثر فيه أسباب التنازع، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن نستعيد المعنى الذي يقدمه عنوان الكتاب: «أهل القبلة كلهم موحدون». فالأمة التي تعرف ما يجمعها تستطيع أن تدير ما يفرقها، والأمة التي تجعل العلم جسرًا بين أبنائها، لا سيفًا عليهم، تكون أقدر على مواجهة تحديات عصرها.
ومن هنا فإن هدية مجلة الأزهر ليست كتابًا فحسب، بل دعوة إلى القراءة والتأمل وإعادة اكتشاف قيمة الوحدة، واستحضار صوت عالم مجدد رأى أن أعظم ما يحتاجه المسلمون في أوقات الاختلاف هو أن يتذكروا دائمًا أن بينهم من المشتركات ما هو أكبر بكثير مما يفرق بينهم، وأن كلمة التوحيد التي جمعت القلوب عبر القرون قادرة، إذا أحسن أبناؤها فهم معناها، على أن تكون جسرًا يعبر فوق الخلاف، لا راية تُرفع في وجه المخالف.

المزيد من القصص
هبة عبد العظيم تكتب حين يتحول البطل إلى “ترند”.. هل فقدت الدراما رسالتها؟!
دينا يحيى تكتب: حين يتحول الهواء إلى سلعة.. لماذا يُعد قرار الأعلى للإعلام ضرورة لإنقاذ الشاشة المصرية؟
هل يمنع وجود الكلب في المنزل دخول الملائكة؟.. دار الإفتاء توضح الحكم الشرعي