الغناء الهابط والتدني الأخلاقي الذي يُنشر على الصفحات ممن يُقال عنهم «أهل الفن» لا مثيل له في هذه الأيام. ومن المؤسف أن نرى في مصايفنا هذا السقوط المروّع للقيم؛ فكيف نقبل أن يظهر فنان شبه عارٍ، من دون سترة تغطي جذعه الأعلى، على شواطئنا وفي مصايف مصر، بينما تتسابق بعض الفتيات إلى الصعود على المسرح والاحتفاء به، في مشهد أقل ما يوصف به أنه غير لائق ولا يتناسب مع قيم مجتمعنا؟
والأخطر من ذلك أن هذه المشاهد تُنشر على الملأ، وتصل بسهولة إلى الهواتف المحمولة التي أصبحت في أيدي أطفالنا وشبابنا وفتياتنا. نرى فتيات يصرخن ويتدافعن من أجل الاقتراب من فنان أو مصافحته، في مشاهد تثير كثيرًا من التساؤلات حول ما وصل إليه الذوق العام، وحول الرسائل التي تُقدَّم إلى الأجيال الجديدة باعتبارها نموذجًا للفن والنجاح والشهرة.
كيف تُبنى الأمة ويكتمل وعيها إذا كان طرفٌ يبني، بينما يعمل طرفٌ آخر على هدم ما يتم بناؤه؟ وكيف نطالب أبناءنا بالالتزام بالقيم والأخلاق، ثم نسمح بأن تُقدَّم أمامهم مشاهد تتنافى مع ما نحرص على غرسه في نفوسهم؟
ويستمر هذا الهدم الممنهج لقيم المجتمع بهذه الصورة، ثم نبكي بعد ذلك أو نتباكى من انتشار التحرش والسلوكيات غير المنضبطة في شوارعنا. إن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالكلام وحده، وإنما تبدأ برقابة مجتمعية واعية، ومسؤولية أسرية حقيقية، ووعي بما يشاهده أبناؤنا وما يتعرضون له عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أين الرقابة المجتمعية؟ وأين المسؤولية الأسرية؟ وأين دور الآباء والأمهات في حماية أبنائهم وبناتهم من النماذج التي قد تُقدَّم لهم باعتبارها قدوة أو مثالًا للنجاح؟
إن الفن الحقيقي ليس مجرد شهرة أو أضواء أو صخب، وإنما رسالة ومسؤولية وتأثير. ومن حق المجتمع أن يطالب بأن يكون الفن متوافقًا مع القيم العامة، وأن تلتزم الفعاليات الفنية بضوابط تحافظ على الذوق العام، خاصة عندما تكون مفتوحة أمام الأطفال والمراهقين.
أيها السادة، لا يمكن لأمة أن تبني مستقبلها علميًا وحضاريًا، بينما تُهدم قيمها وأخلاق شبابها وفتياتها بهذه الطريقة العبثية. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تحققه من تقدم مادي، وإنما أيضًا بما تحافظ عليه من أخلاق ووعي واحترام للإنسان والأسرة والمجتمع.
إن ما نشهده من بعض مظاهر الإسفاف الفني يحتاج إلى وقفة جادة، لا بهدف محاربة الفن أو التضييق على الإبداع، وإنما من أجل التمييز بين الفن الذي يرتقي بالذوق العام، وبين محتوى يكرّس الابتذال ويحوّل الشهرة إلى غاية في حد ذاتها.
وكما قال الشاعر:
«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا»
فلنحافظ على قيم مجتمعنا، ولنكن أكثر وعيًا بما يصل إلى أبنائنا عبر الشاشات والمنصات، ولنجعل الفن وسيلة للارتقاء بالإنسان، لا سببًا في تراجع الذوق والقيم.
اللهم احفظ بلادنا وشبابنا وفتياتنا، ووفّق الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واهدِنا إلى سواء السبيل.

المزيد من القصص
د. احمد علي سليمان يكتب: ربيع الأول.. ربيع الأنور
هبة عبد العظيم تكتب حين يتحول البطل إلى “ترند”.. هل فقدت الدراما رسالتها؟!
الإذاعي د. وسام البحيري يكتب: الأسئلة الستة التي تركها حادث الإسماعيلية