لم يكن إسدال الستار على فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان الفيمتو آرت الدولي للأفلام القصيرة مجرد نهاية لخمسة أيام حافلة بالسينما والفن، بقدر ما كان إعلانًا واضحًا عن عودة روح حقيقية إلى المشهد الثقافي والفني المصري، وعن قدرة المؤسسات الداعمة للفن على صناعة مساحات جديدة تمنح الشباب فرصة الظهور والتجربة والمنافسة. فمن الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، جاءت الرسالة واضحة: السينما المصرية لا تزال قادرة على احتضان المواهب، وفتح الأبواب أمام أجيال جديدة تبحث عن مكان تحت الضوء.
المهرجان، الذي أقيم خلال الفترة من 5 إلى 9 سبتمبر، واحتضن مسرح دار أوبرا الإسكندرية حفل ختامه، نجح في تقديم نموذج يستحق الإشادة لمهرجان يعرف جيدًا ماذا يريد، ويؤمن بأن صناعة المستقبل الفني لا تبدأ من النجوم الكبار وحدهم، وإنما من منح الشباب الفرصة الأولى. ويكفي أن 246 فيلمًا تقدمت للمشاركة، قبل اختيار 56 فيلمًا للتنافس على جوائز الدورة الرابعة، وهو رقم يعكس حجم الطاقة الإبداعية الموجودة لدى الشباب، ويؤكد في الوقت نفسه أهمية وجود منصات حقيقية تستطيع استقبال هذه الطاقة وتقديمها إلى الجمهور.
وتكتسب كلمات الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، أهمية خاصة في هذا السياق، عندما تحدثت عن الفكرة التي قام عليها المهرجان منذ البداية، وهي خلق لغة فنية تتحاور مع العصر، وتوفير منفذ للشباب لعرض أعمالهم بدلًا من بقائهم في طوابير تجارب الأداء. هنا تحديدًا تكمن قيمة الفيمتو آرت؛ فهو لا يكتفي باكتشاف المواهب، وإنما يمنحها مساحة للمحاولة والإبداع والاحتكاك والخروج من دائرة الانتظار إلى دائرة الفعل.
واللافت أن عودة المهرجان بعد فترة من التوقف لم تأتِ بصورة باهتة أو محدودة، وإنما جاءت محملة بالطموح، وبحضور جماهيري وفني لافت، وبتكريم مجموعة من الأسماء التي أسهمت في الحركة السينمائية والفنية، من بينهم المنتج صفي الدين محمود، حامل اسم الدورة، والفنانون أحمد كمال وحنان يوسف ولبنى ونس وأحمد عصام السيد. وهي تكريمات تحمل معنى الوفاء لأصحاب التجارب، وفي الوقت نفسه تمنح الشباب رسالة مهمة بأن النجاح الفني الحقيقي يظل محل تقدير.
كما أن النجاح التنظيمي والفني للدورة لم يكن جهدًا فرديًا، وإنما ثمرة تعاون واضح بين أكاديمية الفنون، ودار الأوبرا المصرية، ومكتبة الإسكندرية، والجهات والشخصيات الداعمة، إلى جانب لجان التحكيم والمشاهدة ومقدمي الورش وكل عناصر التنظيم. ويحسب للفنان محمد المهدي، رئيس المهرجان، وفريق العمل أنهم أعادوا الحلم إلى أرض الواقع، وأثبتوا أن المهرجانات الفنية تستطيع أن تكون جسرًا حقيقيًا بين المواهب الشابة والجمهور وصناعة السينما.
في النهاية، فإن مهرجان الفيمتو آرت يستحق أكثر من مجرد الاحتفاء بدورته الرابعة؛ لأنه يقدم فكرة تستحق الاستمرار والدعم: أن الطريق إلى المستقبل الفني لا ينبغي أن يظل مغلقًا أمام الشباب، وأن الموهبة حين تجد من يؤمن بها، يمكن أن تتحول من حلم صغير إلى مشروع فني كبير. ومن الإسكندرية، جاءت الدورة الرابعة لتؤكد أن الفن المصري بخير ما دامت هناك مؤسسات وأسماء تؤمن بالشباب، وتفتح لهم الأبواب بدلًا من تركهم ينتظرون طويلًا خلفها.

المزيد من القصص
رئيس التحرير يهنئ العروسين محمد وشروق بالزفاف السعيد
دينا يحيى تكتب: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
د. عبد المنعم فؤاد يكتب: الغناء الهابط والتدني الاخلاقي