بقلم .. محمود علام
رئيس الادارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي ــ الهيئة الوطنية للإعلام
الثورات ليست أرقامًا جافةً في تقويم الأوطان، بل هي جذورٌ تضرب في تربة الوعي الوطني، وأسئلةٌ لا تهدأ. تنتهي الأحداث حين تطويها كتب التاريخ، وتستمر الثورات حين تتحول إلى ميزانٍ تزن به الأمم حاضرها كلما تبدلت ملامح الزمن.
ثورة يوليو ليست فصلًا تاريخيًا مضى بعد أن اكتملت صفحاته، بل منعطفٌ نعود إليها كلما أردنا اختبار بوصلتنا الوطنية؛ هي نبضٌ متجددٌ يعيد كل جيلٍ طرحه في وجه أيامه. فحين نتأمل ذكراها اليوم، نحن لا نستعيد حدثًا انقضى، بل نسقي هذا الجذر التاريخي ليُورق أغصانًا جديدة تُظلل حاضرنا.
بيانُ الثورة، الذي جاء مطلعه بنداء “بني وطني” ــ الذي أحب المصريون أن يستقبلوا به ذلك الصباح الاستثنائي ــ قبل أن تُستهل كلماته بعبارةٍ بقيت محفورة في الذاكرة: “اجتازت مصر فترةً عصيبة من تاريخها الأخير”، تجاوز كونه إعلانًا سياسيًا لواقعٍ جديد، ليغدو إعادة تعريف لفكرة الدولة ذاتها. فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل بتمكنها من استعادة أولوياتها كلما تبدلت الظروف أو تعددت المنعطفات. فمصر في مطلع الخمسينيات من…القرن الماضي، لم تكن تبحث عن استبدال نظامٍ بآخر، بل عن إعادة تعريفٍ لكيانها: احتلالٌ ينتقص من سيادتها، تفاوتٌ اجتماعي يرهق مجتمعها، وتجربةٌ عسكرية تكشف ضرورة مراجعتها لمواجهة تحدياتها؛ فقوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها الوطنية، وحين بلغت هذه الأسئلةُ ذروتها، جاءت يوليو لتقدم إجابتها عن سؤال الدولة.
فالقيمة الحقيقية ليوليو تكمن في صياغتها لمفهوم الوطن؛ دولةٌ تتخذ من استقلالها الوطني بوصلة لقرارها، والعدالة الاجتماعية جوهر لمسؤوليتها، وبناء الإنسان ركيزة لمشروعها. قرارات الإصلاح الزراعي، توسع التعليم المجاني، إطلاق القاعدة الصناعية، وتأميم قناة السويس؛ لم تكن وقائع متفرقة، بل خرزاتٍ في عقدٍ واحد، يجمعها خيطُ فكرةٍ واحدة، أرادت نقل الدولة من إدارة الواقع إلى اقتحام تغييره. ولأن الأفكار الكبرى لا تعرف حدود الجغرافيا، فقد تجاوزت الفكرة حدودها الوطنية، فأصبحت القاهرة نبراسًا وسندًا لحركات التحرر عربيًا وإفريقيًا، وحاضرًا مؤثرًا في عالمٍ يعيد رسم توازناته، لتغدو يوليو تجربةً تجاوزت أصحابها إلى أجيالٍ وشعوب.
إن تجارب الأمم الكبرى لا تنمو حين نحيطها بهالةٍ تمنع مراجعتها، بل حين نقرأها ببصرٍ عادلٍ يرصد الإنجاز بعين، ويتبين مواضع التعثر بالعين الأخرى. حققت الثورة إنجازاتٍ كبرى بدوافعها الوطنية، ونُبل أهدافها، وربما أثقلت بعض الخيارات مسيرة خطواتٍ أخرى،
إلا أن التاريخ لا يطلب منا التصفيق الدائم، ولا يدعونا للهدم، وإنما يستنطق فينا الفهم.
وحين يجول بخاطرنا السؤال، ويوليو على مشارف يوبيلها الماسي: ماذا بقي من يوليو؟ لم يبق الرجال ولا تفاصيل الزمن، بقيت عصارة التجربة في الجذور. بقي ذاك اليقين بأن الدولة لا تستكين لواقعٍ يقل عن طموح شعبها، وبأن الشجاعة السياسية تكمن في امتلاك القدرة على تصويب المسار إعلاءً لمصلحة الوطن. وهذا الجذر هو ما يمنح أغصاننا اليوم القوة لتواجه رياح الحاضر والمستقبل.
ولأن الأحداث الحية لا تتجمد عند لحظةٍ بعينها، بقيت يوليو لتُعلمنا: أن الدولة حين تمتلك إرادتها، تظل روح البناء واحدة مهما تغيرت أدواته. فإذا كانت إرادة الأمس قد تجلت في استعادة القناة وتأميمها كفعل سيادي، فإن إرادة اليوم تتجلى في ازدواج ممراتها، وتعظيم قدراتها، لتغدو شريانًا يتجدد مع الزمن، لا مجرد شاهدٍ على التاريخ. إرادةٌ لا تكتفي بإقامة صناعة بل توطنها، ولا تقف عند حدود الإصلاح الزراعي بل تُدشن دلتاه المستحدثة؛ إنها حقًا رحلةُ بناء جمهوريةٍ جديدةٍ قائمةٍ على المعرفة والطموح والإصرار. الفارق في الأدوات، لا في الروح.
ولهذا جاءت عبارة: “أن لكل جيلٍ .. يوليوه”. فهي ليست دعوةً لاستدعاء الماضي والعيش على أمجاده، بل هي جرأةٌ حميدة
للإجابة عن أسئلة الحاضر. معركة ذاك الجيل تمثلت في تثبيت الاستقلال وتأسيس الجمهورية؛ أما معركة جيلنا الآني فتكمن في تشييد صروح المعرفة، امتلاك التكنولوجيا وتمكينها، وبناء إنسانٍ يمتلك أدوات المستقبل. وإذا كانت يوليو قد انطلقت من مركزٍ متواضع حمل حلم التغيير، فإن الدولة المصرية تدير طموحاتها اليوم من مراكز قيادةٍ استراتيجية، صُممت لتواكب تعقيدات القرن الحادي والعشرين، تُوحد القرار والهدف، تعبيرًا عن انتقال الدولة من إدارة اللحظة إلى إدارة المستقبل؛ فالفارق ليس في جوهر الإرادة، وإنما في اتساع المسؤولية، وتعدد التحديات، وتطور أدوات إدارتها.
قراءة مسيرةِ الجمهورية الجديدة لا تأتي بوصفها تكرارًا ليوليو، ولا تقييمًا لتجربتها، بل إصرارًا جديدًا للإجابة عن سؤال الدولة في زمنٍ مختلف، بأدواتٍ مغايرة، بينما تظل الغاية واحدة: وطنٌ قوي، مستقلُ القرار، واثقٌ من غده.
انقضت يوليو في روزنامة التاريخ، لكنها استقرت في الوعي الوطني. وإن كانت الأحداث يكتبها المؤرخون، فالأفكار هي مداد الحبر الذي تكتب به الأمم مستقبلها. سيظل الثالث والعشرون من يوليو تذكيرًا بأن الأوطان التي تمتلك شجاعة مراجعة ذاتها، هي وحدها القادرة على الحفاظ على نضارة أغصانها، وأن الوفاء الحقيقي لذلك اليوم وهذا الوطن، هو أن ينجح كل جيلٍ في كتابة “يوليوه” الخاص؛ تلك اللحظة التي يضع فيها مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويختار أن يصنع الغد بدلًا من الاكتفاء بالحنين إلى الأمس.
هنا، يظل السؤال مطروحًا: هل يقرأ جيلنا “يوليوه” بعين الحنين، أم بعين السؤال..؟ لأن الأشجار العظيمة لا تعيش لتتغنى بأوراق الأمس، بل لأنها تُحسن تغذية جذورها، لتطلق أغصانها بثقةٍ نحو سماء اليوم وأفق الغد.
هذا هو المسار المبتغى، الذي لا يضل طريقه، والمعنى الحقيقي الذي يجعل لكلّ جيلٍ .. يوليوه.

المزيد من القصص
عماد بكر يكتب: التعليم المباشر .. ضرورة لا يغني عنها “الأونلاين”
د. وسام البحيري يكتب: من مدرسة الحصري إلى آفاق مصطفى إسماعيل.. رحلة الترتيل بين التعليم والإبداع
د. هبة عبد العظيم تكتب: المسلسلات العمودية.. ثورة صينية تعيد تشكيل صناعة الترفيه عالمياً