6 أغسطس، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

هبة عبد العظيم تكتب حين يتحول البطل إلى “ترند”.. هل فقدت الدراما رسالتها؟!

لم تعد الدراما في السنوات الأخيرة مجرد وسيلة للتسلية أو نافذة تعكس قضايا المجتمع، بل أصبحت لاعبًا رئيسًا في تشكيل الوعي والذوق العام، خاصة مع انتشار المنصات الرقمية التي جعلت الأعمال الفنية تصل إلى ملايين المشاهدين في لحظة واحدة. وبينما حققت الصناعة تطورًا ملحوظًا في جودة الصورة والإخراج والإنتاج، برزت قضية تستحق التوقف عندها، وهي تحول بعض الأعمال إلى سباق محموم لصناعة “الترند” ولو كان ذلك على حساب القيمة الفنية أو الرسالة الإنسانية.

أصبح نجاح العمل لدى البعض يُقاس بعدد المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بعدد المشاهدات خلال الأيام الأولى من عرضه، أكثر من قياسه بعمق الفكرة أو جودة السيناريو أو قدرة الشخصيات على البقاء في ذاكرة الجمهور. وهنا تكمن الأزمة؛ فالفن الذي يعيش سنوات طويلة لا يصنعه “الترند”، وإنما تصنعه الفكرة الصادقة والكتابة المتقنة والأداء الذي يلامس الإنسان.

ومن الملاحظ أيضًا أن بعض الأعمال باتت تعتمد على مشاهد الصدمة أو الإثارة أو الجدل بهدف جذب الانتباه، حتى وإن كانت هذه المشاهد لا تخدم السياق الدرامي. وفي المقابل، نجد أعمالًا هادئة وعميقة لا تحظى بالانتشار نفسه، رغم أنها تقدم قيمة فنية وإنسانية أكبر. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبح الجمهور يبحث عن الضجيج أكثر من الجودة، أم أن آليات التسويق هي التي تدفعه إلى ذلك؟

ولا يمكن تحميل المسؤولية لصناع الدراما وحدهم، فالجمهور نفسه أصبح جزءًا من معادلة النجاح. فحين يكافئ المشاهد العمل الجيد بالمشاهدة والنقاش، فإنه يشجع المنتجين على الاستثمار في الأعمال الراقية. أما إذا كان الاهتمام ينصب فقط على الأعمال المثيرة للجدل، فمن الطبيعي أن تتجه السوق إلى إنتاج المزيد منها.

ومن القضايا التي تستحق الاهتمام أيضًا، الاعتماد المتزايد على النجم الجماهيري أكثر من الاعتماد على النص الجيد. فكثير من الأعمال تُبنى حول اسم البطل، بينما يبقى السيناريو الحلقة الأضعف. والحقيقة أن تاريخ الفن يؤكد أن النص القوي هو الذي يصنع النجم، وليس العكس. فكم من ممثل قدم أفضل أدواره لأنه وجد كاتبًا مبدعًا ومخرجًا يمتلك رؤية واضحة، وليس لأنه اعتمد فقط على جماهيريته.

كما أن الدراما مطالبة اليوم بتقديم شخصيات أكثر واقعية، تعكس تعقيدات المجتمع دون مبالغة أو تبسيط. فليس كل شرير بطلاً، وليس كل بطل ملاكًا. والإنسان بطبيعته يحمل جوانب متعددة، وكلما اقتربت الشخصية من الواقع، ازداد تأثيرها في المشاهد.

وفي ظل التطور الكبير الذي يشهده الذكاء الاصطناعي، يثار تساؤل آخر: هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإبداع الإنساني في الفن؟ والإجابة أن التقنية قد تساعد في الكتابة أو التحليل أو المؤثرات البصرية، لكنها لن تستطيع أن تخلق مشاعر حقيقية أو خبرات إنسانية صادقة. فالفن في جوهره تجربة إنسانية قبل أن يكون صناعة تقنية.

إن مستقبل الدراما العربية لا يتوقف على ضخامة الميزانيات فقط، بل على امتلاك مشروع فني يحترم عقل المشاهد، ويوازن بين الإمتاع والرسالة، وبين النجاح التجاري والقيمة الثقافية. فالأعمال العظيمة لا تُقاس بما تحققه من ضجة وقت عرضها، وإنما بما تتركه من أثر في وجدان الناس بعد سنوات طويلة.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الكاتب المبدع، والمخرج الواعي، والممثل الذي يختار أدواره بعناية، وعلى جمهور يدرك أن الفن ليس مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل قوة ناعمة قادرة على بناء الوعي، وصناعة الذوق، وترسيخ القيم. وعندما يجتمع الإبداع مع المسؤولية، تستعيد الدراما دورها الحقيقي بوصفها مرآة للمجتمع، ورسالة ثقافية تبقى في الذاكرة، لا مجرد “ترند” يختفي بانتهاء الموسم.

About The Author