3 أكتوبر، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

د. هبة عبد العظيم تكتب: إيزيس.. حين خرج مسرح المرأة من عباءة الاحتفال إلى اختبار الفن

لم يكن مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة في دورته الرابعة مجرد موعد احتفالي مع المسرح، ولم تكن عروضه وفعالياته مجرد قائمة أنشطة تملأ ثمانية أيام، وإنما كان تجربة فنية تستحق التوقف أمامها، لأنها وضعت “مسرح المرأة” في مواجهة سؤال أكثر صعوبة: هل استطاع المسرح أن يحول قضايا المرأة من موضوعات مطروحة إلى رؤى فنية قادرة على البقاء؟

هذا السؤال ظل حاضرًا في خلفية الدورة الرابعة، التي أسدل المهرجان الستار عليها أول أمس الجمعة 2 أكتوبر، بعد أن انطلقت في 25 سبتمبر، وحملت اسم الفنانة الراحلة سناء جميل، برئاسة الفنانة عبير لطفي. وكان اختيار سناء جميل عنوانًا للدورة موفقًا من الناحية الفنية؛ لأنها كانت نموذجًا للفنانة التي لم تعتمد على حضورها فقط، وإنما بنت شخصياتها بأدوات الممثل الحقيقي، وبقدرة استثنائية على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى طاقة درامية مؤثرة.

وجاءت مشاركة 13 عرضًا من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية، إلى جانب عروض حاضنة نهاد صليحة، لتمنح الدورة مساحة واسعة للمقارنة بين تجارب مسرحية مختلفة. وحضرت الإمارات وإيطاليا وفلسطين والأردن وسويسرا وبريطانيا والنمسا، إلى جانب التجارب المصرية، وهو ما جعل المهرجان أشبه بمختبر فني تتجاور داخله مدارس متعددة في الكتابة والإخراج والأداء.

لكن الأهم لم يكن عدد الدول المشاركة، وإنما ما كشفه هذا التنوع من اختلاف في طريقة النظر إلى المرأة. فالمسرح القوي لا يقدم المرأة باعتبارها “قضية” وحسب، وإنما باعتبارها شخصية إنسانية كاملة، تحمل تناقضاتها وأسئلتها وضعفها وقوتها وأحلامها وهزائمها. وكلما ابتعد العرض عن الخطابية المباشرة، اقترب أكثر من جوهر الفن؛ لأن الجمهور لا يحتاج إلى من يلقنه موقفًا، بقدر ما يحتاج إلى عمل يدفعه إلى التفكير.

ومن هنا كانت قيمة بعض تجارب المهرجان في أنها تعاملت مع قضايا المرأة باعتبارها جزءًا من الأسئلة الإنسانية الكبرى، لا باعتبارها ملفًا منفصلًا عن المجتمع. فالمرأة على خشبة المسرح ليست معزولة عن أسئلة السلطة والحرية والهوية والعائلة والمجتمع، ولذلك فإن قوة العرض كانت ترتبط بقدرته على بناء هذه العلاقات دراميًا، لا بمجرد إعلان انحيازه لقضية بعينها.

كما أن وجود الورش التدريبية والندوات والموائد المستديرة والفعاليات الحوارية والسينمائية أعطى الدورة بعدًا يتجاوز فكرة المهرجان بوصفه منصة للعروض. فالمسرح لا يعيش بالعروض وحدها، وإنما يحتاج إلى أجيال جديدة من الكتاب والمخرجين والممثلين والنقاد، وإلى مساحات للحوار تسمح بتراكم الخبرة وتبادل المعرفة.

وكانت حاضنة نهاد صليحة من العناصر المهمة في هذا السياق، لأنها ارتبطت بفكرة اكتشاف التجارب الجديدة ومنحها فرصة الظهور. وهذه النقطة تحديدًا هي ما يجب أن تراهن عليه المهرجانات المتخصصة؛ فنجاح المهرجان الحقيقي لا يقاس فقط بما يقدمه في دورته الحالية، وإنما بما يتركه للمستقبل من أسماء وتجارب واتجاهات فنية.

ومن وجهة نظر فنية، يبقى التحدي الأكبر أمام مهرجان إيزيس هو المحافظة على التوازن بين خصوصية “مسرح المرأة” وحرية المسرح نفسه. فالتخصص مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قيد جمالي. والاحتفاء بالمرأة مهم، لكن الفن لا يحتمل أن يتحول إلى خطاب دعائي. وكلما اتسعت مساحة التجريب، وتعددت الأساليب والرؤى، أصبح المهرجان أكثر قدرة على إنتاج خطاب مسرحي مؤثر يتجاوز حدود المناسبة.

ولذلك يمكن النظر إلى الدورة الرابعة باعتبارها خطوة جديدة في مسار المهرجان نحو تثبيت هويته الفنية. فقد جمع إيزيس بين العرض والتدريب والنقاش والتواصل الدولي، ووضع قضية المرأة داخل سياق مسرحي أوسع، وهو ما منح التجربة قيمتها الحقيقية.

وحين أسدل الستار على الدورة، لم تنته الأسئلة التي طرحتها الخشبة، بل بدأت الأسئلة الأهم: ماذا بعد؟ وكيف تتحول هذه اللقاءات إلى مشروعات فنية مستمرة؟ وكيف يمكن أن تصبح المهرجانات المتخصصة جزءًا من حركة المسرح نفسها، لا مجرد محطات سنوية عابرة؟

تلك هي قيمة إيزيس التي تستحق أن تستمر؛ أن يكون المسرح هو البطل الأول، وأن تكون المرأة حاضرة فيه بوصفها فنانة ومبدعة وشخصية إنسانية، لا مجرد عنوان. فحين ينجح المهرجان في تحقيق هذه المعادلة، يصبح الاحتفال بالفن فعلًا فنيًا حقيقيًا، ويصبح مسرح المرأة جزءًا أصيلًا من حركة المسرح، لا هامشًا منفصلًا عنها.

About The Author