بيوت بسيطة، جدرانها من الطين، وأهلها لا يملكون إلا الرضا والصبر. أناس يصحون قبل أذان الفجر، يخرجون بحثًا عن رزق يسد جوع الصغار، أو يشتري كتابًا لمدرسة، أو يوفر احتياجات أسرة لا تعرف من الحياة سوى الكفاح.
ركبوا صندوق سيارة مكشوفة، وحشروا فيه مخاوفهم وأحلامهم، وانطلقوا إلى عملهم. وفي لحظة خاطفة على طريق الإسماعيلية، انتهى كل شيء.
رحلت أرواح نقية إلى خالقها، وبقيت على الأسفلت شواهد صغيرة تهز القلوب.. شباشب بالية جدًا، عفا عليها الزمن.
في الحوادث الكبرى قد تختصر صورة واحدة تفاصيل المشهد كله. وفي حادث طريق الإسماعيلية، الذي راح ضحيته عدد من العمال الزراعيين، بينهم ستة إخوة من أسرة واحدة، لم تكن الأرقام هي الجزء الأكثر تأثيرًا، وإنما كانت تلك الشباشب البسيطة الملقاة على جانب الطريق بعد انقلاب السيارة.
شباشب كانت تحمل أصحابها إلى العمل، لكنها لم تكن تملك القدرة على حمايتهم من قسوة الطريق.
تلك الأقدام لم تجد أحذية تحميها، واكتفت بشباشب قديمة، لكنها حملت أصحابها كل صباح إلى العمل الشريف، بحثًا عن رزق حلال.
إنها ليست مجرد أحذية بالية؛ إنها شهادة على حياة كاملة من الكفاح. تخبرنا أن أصحابها لم يخرجوا طلبًا للرفاهية، ولم يبحثوا عن متعة أو مغامرة، وإنما خرجوا من أجل لقمة عيش شريفة، وأجر يومي بسيط يعول أسرهم.
لكن المشهد يضعنا أمام واقع أكثر قسوة: عمال يضطرون إلى التنقل في وسائل نقل غير مجهزة، لمجرد أنها الأرخص أو الخيار الوحيد المتاح أمامهم.
وهنا لا يكفي أن نحزن بعد وقوع الكارثة، ولا أن نكتفي ببيان تعزية أو كلمات مؤثرة. السؤال الحقيقي هو: كيف نحمي هؤلاء قبل أن يصبحوا أرقامًا جديدة في قوائم ضحايا الطرق؟
إن توفير وسائل نقل آمنة للعمال ليس رفاهية، وإنما ضرورة إنسانية وحق أصيل لكل إنسان يخرج من بيته طلبًا للرزق.
والفاجعة تصبح أكثر قسوة عندما نفكر في أسرة واحدة فقدت ستة من أبنائها في حادث واحد. ستة إخوة رحلوا معًا، تاركين خلفهم بيتًا فقد أبناءه وسنده، وأمهات وآباء وأطفالًا يواجهون فراغًا لا تعوضه الكلمات.
أي وجع يمكن أن يتحمله قلب أم تفقد ستة من أبنائها في يوم واحد؟
وأي بيت يستطيع أن يستوعب هذا العدد من المقاعد الفارغة؟
إن هؤلاء العمال لم يموتوا وهم يبحثون عن طريق مختصر للثراء، بل رحلوا وهم يسعون إلى عمل شريف. كانت أقدامهم المتعبة تعرف طريق العمل كل يوم، وكانت شباشبهم البالية تحمل قصة كفاح لا يعرفها كثيرون.
وراء كل شبشب ملقى على الطريق.. إنسان كان له بيت، وأسرة، وأحلام، وموعد للعودة لم يأتِ.
ومن هنا تبقى الأسئلة الستة معلقة في وجداننا:
أولًا: كيف يسمح الضمير بأن تتحول بعض سيارات نقل العمال إلى وسيلة تحمل البشر كالبضائع على الطرق السريعة؟
ثانيًا: أين الرقابة؟ وأين إجراءات الأمان لهؤلاء الكادحين الذين يطعمون البلد بعرقهم، ثم يرحلون أحيانًا في صمت؟
ثالثًا: كيف تظل فئة عمال التراحيل، وهي من أكثر الفئات مشقة وكفاحًا، في حاجة إلى مظلة حقيقية تحمي أرواحها وتصون كرامتها؟
رابعًا: كيف ننشغل بتفاصيل الحياة اليومية وتفاهاتها، بينما هناك أسر كاملة تستقبل نبأ فقدان أبنائها وتعيش الآن أقسى لحظات الحزن؟
خامسًا: أي وجع يمكن أن يتحمله قلب أم أو أب فقد ستة أبناء دفعة واحدة؟ وأي كلمات يمكن أن تخفف عن أسرة فقدت هذا العدد من أبنائها؟
سادسًا: من المسؤول عن أن يصبح الطريق مكانًا يذهب إليه العامل بحثًا عن الرزق، ثم لا يعود منه إلى أسرته؟
لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط معرفة المسؤول بعد وقوع الحادث، بل أن نبحث عن الخلل الذي يسمح بتكرار المأساة، وأن نضع سلامة العمال في مقدمة الأولويات.
رحم الله ضحايا الحادث، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وربط على قلوب أسرهم.
رحل أصحاب تلك الشباشب البالية، لكنهم تركوا وراءهم سيرة كفاح عطرة، وتركت أقدامهم المتعبة شهادة على أنهم سعوا في الأرض طلبًا للرزق الحلال.
رحم الله من خرج يبحث عن لقمة عيش، فعاد إلى أهله غائبًا.. وبقيت شباشبه تسألنا: هل كان يمكن إنقاذهم؟

المزيد من القصص
دينا يحيى تكتب: العداوة.. حين يتحول الشعور بالنقص إلى خصومة
محمد رأفت فرج يكتب : محمد زكي الدين إبراهيم.. «أهل القبلة كلهم موحدون» هدية «مجلة الأزهر» في زمن الانقسام
هبة عبد العظيم تكتب حين يتحول البطل إلى “ترند”.. هل فقدت الدراما رسالتها؟!