11 أغسطس، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

دينا يحيى تكتب: العداوة.. حين يتحول الشعور بالنقص إلى خصومة

ليست كل عداوة وليدة خلاف حقيقي، ولا كل خصومة ناتجة عن ظلم أو اعتداء. ففي كثير من الأحيان تنشأ العداوة من أعماق النفس، حيث يقيم شعور خفي بالنقص لا يراه الناس، لكنه يوجه تصرفات صاحبه ويصنع مواقفه. لذلك نجد أن بعض الأشخاص يعادون الناجحين، أو يهاجمون المتميزين، أو يحاولون التقليل من قيمة الآخرين، لا لأن هؤلاء أساؤوا إليهم، وإنما لأن وجودهم يكشف لهم ما يفتقدونه في أنفسهم.

فالإنسان الواثق من قدراته لا يشعر بحاجة إلى محاربة أحد، لأنه يدرك أن الحياة تتسع للجميع، وأن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحه، بل قد يكون مصدر إلهام له. أما من يعيش أسير المقارنات، ويقيس قيمته بما يملكه غيره، فإنه يرى في كل نجاح يحققه الآخرون تهديدًا شخصيًا، فيبدأ في صناعة العداوات من أوهام زرعها داخله شعوره بالنقص.

ولهذا كثيرًا ما نجد أن أشد المنتقدين ليسوا أصحاب الإنجازات، بل أولئك الذين توقفوا عن تطوير أنفسهم. فهم يظنون أن إسقاط الآخرين يرفعهم، وأن تشويه الصورة يغني عن بناء الذات، فيلجؤون إلى السخرية أو التشكيك أو التقليل من قيمة كل متميز، لأن الاعتراف بتميزه يضعهم أمام حقيقة مؤلمة، وهي أنهم لم يبذلوا ما يكفي للوصول إلى المكانة نفسها.

أما الإنسان القوي، فلا يحمل هذه العقدة. قوته ليست في المال أو المنصب أو النفوذ فقط، وإنما في سلامه الداخلي وثقته بنفسه. فهو لا يرى الآخرين خصومًا، ولا يعيش في صراع دائم لإثبات وجوده، لأنه يعلم أن قيمته لا تعتمد على هدم غيره، بل على ما يقدمه من عمل وما يتحلى به من أخلاق. لذلك نادرًا ما يكون القوي الحقيقي عدوًا لأحد، بل يكون أكثر الناس قدرة على التسامح، وأكثرهم استعدادًا لتقدير نجاح الآخرين.

ومن الملاحظ أن الشخص القوي لا ينشغل بالرد على كل إساءة، ولا يدخل في معارك جانبية تستنزف وقته وجهده. فهو يدرك أن أعظم رد على الحقد هو الاستمرار في النجاح، وأن أفضل وسيلة لإثبات الذات هي الإنجاز لا الجدل. لذلك يمضي في طريقه بثبات، تاركًا الزمن يكشف الحقائق ويضع كل إنسان في مكانه الذي يستحقه.

وفي المقابل، فإن الشعور بالنقص يجعل صاحبه يعيش في حالة استنزاف دائم. فهو يراقب الناس أكثر مما يراقب نفسه، ويحصي إنجازاتهم أكثر مما يراجع تقصيره، فيتحول إلى أسير للحسد والمقارنة، وتصبح العداوة بالنسبة إليه وسيلة للهروب من مواجهة ذاته، لا طريقًا لتحقيق العدالة أو الدفاع عن حق.

إن أخطر أنواع العداوة هي تلك التي لا تقوم على سبب حقيقي، بل على إحساس دفين بالعجز أو الغيرة أو ضعف الثقة بالنفس. وهذه العداوة لا تنتهي بإزالة سببها؛ لأنها في الأصل ليست مرتبطة بالآخرين، وإنما مرتبطة بصاحبها نفسه. ولهذا قد يغير خصومه، لكنه لا يغير طريقته في التفكير، فتتكرر الخصومات مع أشخاص مختلفين للأسباب نفسها.

ومن الحكمة ألا ينشغل الإنسان كثيرًا بمن يعاديه دون سبب، فليس كل خصومة تستحق الرد، وليس كل هجوم يستوجب المواجهة. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلمات، والاستمرار في العمل أنفع من الانشغال بالردود. فالأشجار المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة، أما اليابسة فلا يلتفت إليها أحد.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة ثابتة؛ أن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل. فمن عرف قدر نفسه، وعمل على إصلاحها، لم يجد في قلبه متسعًا للكراهية، ولم يحتج إلى صناعة الأعداء. أما من امتلأ قلبه بالنقص، فإنه قد يرى في كل ناجح خصمًا، وفي كل متميز تهديدًا. ولذلك فإن العداوة كثيرًا ما تكون مرآة لصاحبها أكثر مما تكون وصفًا لمن يعاديه، ويبقى الإنسان القوي هو ذلك الذي ينتصر على نفسه قبل أن يفكر في الانتصار على غيره.

About The Author