6 أكتوبر، 2026

راية مصر

يرفعها شباب مصر

محمد رأفت فرج يكتب: «ملحمة كبريت» تفتح دفتر بطولات أكتوبر المنسية لماذا لا نعيد إنتاج حكايات الأبطال؟

بينما كنت أقلب بين قنوات التليفزيون، توقفت أمام سهرة درامية بعنوان «ملحمة كبريت»، أُذيعت على شاشة «ماسبيرو زمان»، فوجدتني أمام واحدة من تلك الأعمال التي لا تنتهي بانتهاء المشهد الأخير، وإنما تترك في النفس سؤالًا كبيرًا: كم من بطولات أكتوبر ما زالت حبيسة الذاكرة، ولم تصل بعد إلى أبنائنا؟

لقد تناولت السهرة الدرامية ملحمة مجموعة القائد الشهيد إبراهيم عبد التواب ورجاله، الذين سطروا واحدة من صفحات البطولة والصمود خلال حرب أكتوبر المجيدة. ومثل هذه الحكايات تؤكد أن نصر أكتوبر لم يكن مجرد أيام عسكرية في سجل التاريخ، وإنما كان بحرًا من القصص الإنسانية والبطولات الفردية والجماعية التي تستحق أن تُروى، وأن تتحول إلى أعمال درامية ووثائقية تعرف بها الأجيال الجديدة حجم التضحيات التي بذلها رجال القوات المسلحة دفاعًا عن الوطن وكرامته.

والحقيقة أن كثيرًا من المصريين يعرفون الخطوط العامة لحرب أكتوبر، ويعرفون أسماء بعض القادة والعمليات والمعارك، لكن هناك بطولات أخرى لم تأخذ حقها من الحضور في الذاكرة الشعبية، رغم أنها تمثل جزءًا أصيلًا من قصة النصر. وهنا يأتي دور الدراما الوطنية، ليس باعتبارها مجرد وسيلة للترفيه، وإنما باعتبارها أداة من أدوات بناء الوعي وحفظ الذاكرة.

ومن هنا، أتمنى أن يكون هناك تعاون مؤسسي بين الشؤون المعنوية والهيئة الوطنية للإعلام لإعادة إنتاج هذا النوع من السهرات الدرامية والأعمال القصيرة التي تتناول قصص أبطال أكتوبر، خصوصًا تلك القصص التي لم تحظَ بالانتشار الكافي. فربما تكون حلقة درامية مدتها ساعة قادرة على أن تجعل طفلًا أو شابًا يبحث بعد مشاهدتها عن اسم بطل لم يكن يعرفه، فيقرأ عن سيرته، ويكتشف أن وراء كل صفحة من صفحات النصر إنسانًا حمل سلاحه ووضع الوطن أمام عينيه.

نحن في حاجة إلى أن نعيد تقديم أكتوبر للأجيال الجديدة بلغة العصر، دون أن نفقد روح الحكاية. فالشاب الذي لم يعش الحرب يحتاج إلى أن يرى البطولة في صورة إنسانية قريبة منه، وأن يعرف أن النصر الذي نحتفل به كل عام لم يكن شعارًا، وإنما كان ثمنه غاليًا من الشجاعة والصبر والتضحية.

ولعل كلمات الرئيس الراحل محمد أنور السادات في خطاب النصر تظل حاضرة في هذا السياق، حين تحدث عن اليوم الذي سيأتي لكي نجلس ونقص ونروي كيف خرج الأبطال من هذا الشعب. لقد كان يدرك أن المعارك لا تنتهي بانتهاء القتال، وأن مسؤولية الأجيال اللاحقة هي أن تحفظ الحكاية وترويها.

إن ذاكرة أكتوبر لا تزال تحمل الكثير من الذكريات والمواقف والقصص التي تستحق أن تتحول إلى أعمال فنية رصينة. قصص جنود وقادة، أسر ومقاومة وصمود، لحظات خوف وشجاعة، ودموع فرح امتزجت بدموع الفقد.

ولذلك فإن إعادة اكتشاف هذه الذاكرة ليست ترفًا فنيًا، وإنما هي جزء من الحفاظ على الوعي الوطني. نريد أن يعرف أبناؤنا، جيلًا بعد جيل، أن لهم أجدادًا من رجال جيشنا البواسل كتبوا صفحات مضيئة في تاريخ مصر.

لقد رأيت «ملحمة كبريت» بالصدفة، لكنها أعادت إليّ فكرة أكبر: أن أكتوبر لم يقل كل ما لديه بعد، وأن في ذاكرته حكايات كثيرة تنتظر من يفتح لها باب الشاشة، حتى تعرفها الأجيال القادمة وتدرك أن وراء النصر العظيم رجالًا كانوا على قدر عظمة الوطن.

About The Author